272عن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، فما وافقهما فهو سنّة، وما خالفهما فهو بين معصية وبدعة، مع الفرق الواضح بينهما، فلو أذيعت الفكرة أو شاع العمل بين الناس بها فتصير بدعة، وإن اكتفي بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية.
وعليه فالمعنى الجامع للبدعة هو: الافتراء على الله ورسوله، ونشر ذلك المفترى في الأمّة بعنوان أنّه من الدين، ويدلّ على هذا المعنى قوله سبحانه: ( آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ ) [يونس: 59] فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ كلّ ما ينسب إلى الله سبحانه بلا إذن منه فهو أمر محرّم، ومن أدخل في الدين ما ليس منه فقد افترى على الله، وقد عدّ الله المفتر ي من أظلم الناس؛ إذ قال سبحانه: ( وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ إِنَّهُ لاٰ يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ ) [الأنعام: 21]؛ ولذلك عندما اقترح المشركون على النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدّله، أمره سبحانه بأن يقول: ( قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّٰ مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [يونس: 15].
ثانياً: استلزامها التدخّل في التشريع الإلهي تحليلاً أو تحريماً، نقصاً أو زيادة.
أمّا في جانب الزيادة في الدين فهي تعني أنّ الله تعالى لو كان يعلم بما يقوم به المبتدع من تقنين بعض الأمور ودعوة الأمّة إلى العمل بها على نحو الندب أو الوجوب، لما تركه الله تعالى بمقتضى حكمته وعدله؛ لأنّ مثل ذلك يكون فيه فائدة - على فرض أنّ المبتدع أدرك المصلحة المترتبة على بدعته - تعود على المكلّف ولم يدعوه إليها، ندباً أو وجوباً، وهذا تجاوز كبير على ساحة المولى تعالى؛ لأنّ مثل هذا يدلّ على أنّ المبتدع لهذه التشريعات أحرص من الله تعالى على عباده، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
وأمّا في جانب تدخّله في النقيصة من الدين، فهذا يعني أنّ المبتدع استطاع أن يكتشف أنّ بعض التشريعات الإلهية توجب الفساد الذي لم يلتفت ويعلم به الله تعالى - والعياذ بالله - فلأجل قطع هذا الفساد وحماية الأمّة من الوقوع فيه بما يوجب انحطاطها وعدم تكاملها، قام بمنع ذلك، كما هو صريح قول عمر: (كانتا على عهد رسولالله أحرمهما وأعاقب عليهما)،