246ذلك يعتبر بدعة بمعنى إدخال ما ليس من الدين في الدين، أو إخراج ما من الدين عن الدين، والأخير قد يؤدّي بالتالي إلى إنكار ما هو ضروري من ضروريات الدين وهو موجب للكفر، والأوّل قد يوجب الابتداع المنهي عنه في الشرع المقدّس، كما سنوضّحه في هذا الفصل.
وقد تقدّم في الفصل الأوّل كيف أنّ هذه الجماعة - التي ظهرت في الأوساط الإسلامية بلباس الدين ورداء التوحيد - كانت تجهل الكثير من أمور الدين، بحيث استدعى علماء السنّة على اختلاف مذاهبهم الوقوف بوجه هذه الجماعة المبتدعة لسنن وأحكام ما أنزل الله بها من السلطان، ورأينا كيف أنّ أقرب هؤلاء الناس لإحياء بدعة ابن تيمية الحراني التي كادت بدعه تطمس معالم الدين إلّا أنّ هذا الموقف من علماء المسلمين كاد أن يقضي على هذه البدع لولا قيام محمّد عبد الوهاب بانقلابه الذي قد أعدَّ له من أوباش الناس لينقض على أهل ذلك الزمان، وليقتل علماءهم وشيوخهم، وينهب أموالهم بإعلان دعوته باسم الدفاع عن التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية التي كان يرى عليها أهل السنّة على مختلف مذاهبهم في شبه الجزيرة العربية والبلدان المجاورة لها، فما أن تمّت له السيطرة على مكة والمدينة والحجاز ونجد إلّا تحرّك باتّجاه البلدان القريبة منها، ولم يعبأ بفتاوى العلماء ومواقفهم المخالفة له، بل راح يقتلهم باسم الشرك والكفر والخروج عن الدين، فمرّت الأمّة الإسلامية في تلك الأيام بأزمات وفتن ومصاعب لم تمر بها من قبل، حيث راحت ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين بما فيهم علماء الدين باسم الدين، فأعظم المصائب عندما تكون في الدين وباسمه، كما قال الإمام زينالعابدين(عليه السلام):
«اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا» لأنّ ذلك هو الخسران الكبير.
وقد ذكرنا بعض تلك الصور والمحن ومواقف العلماء فيما تقدّم من هذا الكتاب، ولكن الذي يهمّنا في هذا الفصل هو كشف وبيان جهل الدمشقية فيما عدّه من أساليب الإمامية في تكفير غيرهم من المسلمين، وفي هذه المرّة خصّ بهم الجماعات المبتدعة في الدين؛ إذ إنّه لا يرى الابتداع بجميع صوره المنهي عنه - كما يظهر من كلامه - يوجب الحكم بكفره وخروجه