87كما أنّ صفتي الأناة والحلم كانتا من مميزات ابن عباس، فالشجاعة هذهِ الصفة التي تدعو إلى الإقدام والاندفاع قد يتصف بها كثيرون، لكنها إذا ما تعانقت مع صفتي الحلم والأناة تكون صفة عظيمة محمودة، وتدل بالتالي على كمال النفس وعظمتها وعلوّ همّتها، وهذا ما كان لابن عباس؛ ففي الوقت الذي كان فيه رجل سياسة وبطل حوار، وصاحب بصيرة ورأي ونظر، كان رجل حرب; لهذا نرى الإمام علياً(ع) قد اتخذه وزيراً له وقائداً ميدانياً يقود جبهة من جبهات القتال حينما تشتد ضراوة المعارك، فميسرة الجيش في حرب صفين كانت له، قاتل فيها قتالاً شديداً، وفي معركة الجمل كان على مقدمة جيش الإمام علي(ع) وهكذا في النهروان.
يرمي به الإمام(ع) مقاتلاً كما يرمي به محاوراً سياسياً بارعاً؛ ففي وقعة صفين حينما لميكن بدٌّ من التحكيم، أنظر كيف يصفه الإمام(ع):
«إنّ معاوية لم يكن يضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص... فعليكم بعبدالله بن عباس فارموه به; فإنّ عمراً لا يعقد عُقدة إلاّ حلّها عبدالله، ولا يحلّ عقدة إلاّ عقدها، ولا يبرم أمراً إلاّ نقضه ولا ينقض أمراً إلاّ أبرمه» . 1
وفي كلام آخر له في شأن الحكمين قال... فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبدالله ابن عباس، وفي هذا يقول ابن أبي الحديد: يُقال هذا لمن يرام كفّه عن أمر يتطاول له: ادفع في صدره، وذلك لأنّ من يقدم على أمر ببدنه فيدفع دافع في صدره حقيقة فإنه يردّه أو يكاد، فنقل ذلك إلى الدفع المعنوي.
هذا في حربه وسياسته وأما في محاوراته فقد جرت بينه وبين الخليفة الثاني وعائشة والزبير وطلحة ومعاوية ويزيد وعتبة بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم وعبدالرحمن بن الحكم وزياد بن أبيه وابن الزبير والمغيرة وغيرهم جرت بينه وبينهم مناظرات واحتجاجات كثيرة، كانت له الحجة عليهم، ومن جميل مناظراته - وهي كثيرة - هذه التي جرت بينه وبين الخليفة الثاني: