275وقد تقدّم أنّ سعداً رفض أن يَسبّ عليّاً عليه السلام عندما أمره معاوية بذلك، فقال له معاوية: «ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (ص) فلن أسبّه؛ لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم» 1.
وذكر من تلك الثلاثة حديث الراية، وهذه العبارة كما ذكرنا صريحة في أنّ سعداً قد فهم من حديث الراية ثبوت فضيلة لعليّ عليه السلام يتمنّاها سعد وسائر الصحابة، ويرى أنّها لا يمكن أن تُقارن بحمر النعم، الذي هو كناية عن أموال الدنيا وكنوزها.
إذن فأصحاب رسول الله¦ قد فهموا من حديث الراية تلك المنزلة السامية، كما فهمها كثير من علماء السنّة، قال ابن حجر: «وقوله في الحديثين [حديث سهل بن سعد، وحديث سلمة بن الأكوع]: إنّ عليّاً
(يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) أراد بذلك وجود حقيقة المحبّة، وإلّا فكلّ مسلم يشترك مع عليّ في مطلق هذه الصفة، وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ » ، فكأنّه أشار إلى أنّ عليّاً تامّ الاتّباع لرسول الله (ص) حتّى اتّصف بصفة محبّة الله له؛ ولهذا كانت محبّته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث عليّ نفسه، قال:
(وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ إنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيَّ (ص) أن لا يُحِبُّكَ إلّا مُؤمِنٌ ولايُبغِضُكَ إلّا مُنافِقٌ)، وله شاهد من حديث أُمّ سلمة عند أحمد» 2.
فإذا كان الأصحاب وأعلام السنّة قد فهموا من حديث الراية تلك الفضيلة العظيمة لأمير المؤمنين عليه السلام فلا قيمة بعد ذلك لما ذكره ابن حزم وغيره في هذا المجال.
3- حديث (لا يُحبّك إلّا مؤمنٌ ولا يُبغضكَ إلا مُنافق)
أخرج مسلم في صحيحه، بسنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، قال:
«وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ إنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (ص) إليَّ أن لا يُحِبَّني إلّا مُؤمِنٌ