131ومن الواضح أيضاً أن الظلم المذكور في الآية المباركة ليس مختصاً بالذنوب الفردية التي بين العبد وربه، وإنما هو شامل للظلم الاجتماعي السياسي أو النظام الاقتصادي المعاشي أو التعدي على المنظومة الحقوقية والأخلاقية، ومعنى ذلك أن استعلام ومعرفة تلك الأمور الفردية والاجتماعية لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الالتجاء واللواذ بالنبي (ص) ، فكل حيف أو زيغ يحصل من الفرد أو المجتمع في تلك الأمور لابد من الرجوع فيها إلى الرسول الأكرم (ص) ، وفي مقابل تعدد أنواع الظلم يتعدد أنواع اللجوء والتولي والتوجه للنبي (ص) .
ثم إن ذكر التوبة والاستغفار في الآية الكريمة لا لخصوصية فيها، وإنما ذكرت بما هي عبادة من العبادات، لكونها أوبة ورجوع إلى الله تعالى واقتراب منه وقصد وتوجه إليه، فليست الآية في ذكرها لشرطية التوسل بالنبي (ص) خاصة بالتوبة، بل هي شاملة في ذلك لكل العبادات.
خصوصاً وأن التوبة هي الأوبة، من آب يؤوب، والأوبة الرجوع إلى الله تعالى، أي الاقتراب والزلفى منه عز وجل، ولاشك أن العبادات بمجموعها طلب الأوبة والقرب والزلفى إلى الله تعالى، فهي نوع من أنواع التوبة، وبناءً على ذلك لا تكون التوبة عملاً منحازاً ومنفصلاً عن سائر العبادات كالصلاة والحج وغيرهما، بل هي عمل عام وشامل لكافة العبادات.
وهذه الآية الكريمة الدالة على شرطية التوجه والتوسل وضرورته في جميع المقامات ليست خاصة بحياة النبي (ص) ؛ إذ ليس المراد من المجيء الحضور الجغرافي الجسماني لبدن المذنب عند النبي الأكرم (ص) فقط، بل المجيء الفيزيائي والبدني المكاني أحد المصاديق المقصودة في الآية الكريمة، والتعبير بالمجيء كنائي، يراد به مطلق الاستغاثة والتوسل والتوجه القلبي إلى النبي (ص) .
والحاصل: إن هذه الآية المباركة جاءت لبيان ماهية التوبة وشرائطها العامة، التي يشترك فيها كافة المسلمين وفي جميع الأزمنة، فلا يمكن أن تكون مختصة بالفترة التي عاشها النبي الأكرم (ص) أو بمن زامن وعايش تلك الفترة، فالمراد من المجيء مطلق الارتباط بالنبي (ص) ، بالتوجه إليه والكينونة في حضرته المباركة، ثم الاتيان بعبادة الاستغفار، وهذا المضمون