130
الشرط الثالث: إمضاء النبي (ص) توبة التائبين وعبادة العابدين لله تعالى وشفاعته في توبة مذنبي الأمة عند الله.
وأول شرط لقبول توبة المذنب والظالم لنفسه ليس إظهار الندامة من العبد أمام الله تعالى مباشرة وابتداءاً، بل الشرط الأول هو المجيء إلى الحضرة النبوية والالتجاء إليه، واللواذ والاستعاذة والاستجارة به (ص) ، فأولاً لابد أن يأتي العبد إلى النبي (ص) ويلوذ به، ثم بعد ذلك يُظهر الندامة والاستغفار لله عزوجل؛ إذ الترتيب للشروط في الآية المباركة ترتيب رتبي، حيث أخذت بعين الاعتبار، لا أنه ذكري فقط بقرينة العطف بالفاء.
ثم إنه سبحانه ترك باب التوبة والإنابة - عقيب تلك الآية - مفتوحاً للعصاة والمذنبين حيث جعل الله تعالى الملاذ والملجئ هو النبي (ص) ، فلابد من الكينونة في الحضرة النبوية ثم إظهار عبادة الاستغفار، لأنه (ص) باب الله تعالى الذي منه يؤتى، فيكون اللواذ بالله عز وجل باللواذ بنبيه الأكرم (ص) ؛ ولذا بعد الاستجارة بالنبي (ص) قال تعالى: «لَوَجَدُوا اللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً» واللجوء والإنابة إلى الله بنبيه اخذ شرطاً في أعظم المواقف للعبد مع ربه وهو التوبة وغفران الذنوب فكيف بما دونه من العبادات التي هي ذخيرة أُخروية خالدة فكيف بالحاجات الدنيوية الزائلة التي هي متاع قليل في جنب متاع الآخرة.
إذن استغفارهم لأنفسهم عندالله تعالى لا يغنيهم عن التوجه بالنبي (ص) ، ومعنى ذلك أن للمجئ عند النبي ثم الاستغفار موضوعية في حصول المغفرة.
ولاشك أن الاستغفار وطلب المغفرة عبادة من العبادات ونوع خاص من أنواع الدعاء وحالة من الارتباط بين العبد وربه، وللكون عند النبي الأكرم (ص) والمجيء عنده دخالة في قبول تلك العبادة وتوثيق الدعاء والارتباط بين العبد وربه والإقبال على الله تعالى.
وهذا هو معنى أنَّ لله عز وجل مواضع ومواطن مُشَرفة يُقبل الدعاء بالكون فيها والمثول تحت قبتها، كما في الكون في عرفة وتحت الميزاب عند الكعبة وعند الملتزم والمستجار وغيرها، وكما ورد من أن الصلاة في البيت الحرام تعدل كذا ألف ركعة، وهذا يعني أن للكون في البيت الحرام دخالة في توثيق الارتباط بين العبد وبين الله تبارك وتعالى.