33
أقول : وفيه بحث من وجوه:
أوّلاً : إن أراد انعقاد الإجماع على أنّ تنصيب الإمام واجب على الأمّة فبطلانه ظاهر؛ لظهور الخلاف من الإماميّة والمعتزلة كما لا يخفى، وأيضاً وجوب تنصيبه على الأمّة يقتضى أنّهم إذا لم يتفقوا لم يحصل انعقاد الإمامة، بل يجب إعادة النظر مرة بعد أخرى وقد لا يثمّر شيء من اتفاقهم لاختلاف الآراء غالباً، وهو يبطل تعليقها على رأي الأمّة وإلا لزم تعذّر تنصيب الإمام أو جواز عمل كلّ فريق، برأيه فيكون منصوب كلّ فريق إماماً عليهم خاصّة، وهذا خلف.
ثانياً: إنّ من اشتغل بذلك عن دفن رسول الله (ص) كان جاهلاً ولا عالماً ولا عادلاً ولا صدّيقاً، والشيعة يستدلّون بهذا الفعل على عصيانه، بل على عدم إيمانه واختياره الدنيا على الآخرة؛ وذلك لأنّهم يذكرون حديثاً وهو: «إنّ من صلّى على مغفور غفر له ذنوبه» 1، فلو كان أولئك مصدّقين بما جاء به النبيّ (ص) لما أعرضوا عن هذه السعادة الكبرى والمغفرة العظمى، مع أنّ المصلحة والمشورة في أمور الدين والدنيا ما تفوت بيوم أو يومين، فلو كان لهم إيمان ومروءة لصبروا لدفنه والصلاة عليه والتعزية لأهل البيت عليهم السلام وإدخالهم في المشورة، إذ كان النزاع معهم والحاصل أنّهم إنّما اشتغلوا بأمر الخلافة؛ لأنّهم اغتنموا الفرصة بغيبة علي (ع) وأصحابه واشتغالهم بتجهيز النبيّ (ص) وتدفينه وعلموا أنّه لو حضر علي (ع) مجلس اشتغالهم بأمر الخلافة لفات الأمر منهم، وإلّا فلم يكن في تأخير ذلك عن تجهيز النبيّ (ص) مظنّة فوته وعدم استدراكه، بل لو صبروا واشتغلوا مع علي (ع) وسائر بني هاشم بدفن النبيّ (ص) ومصابهم به والحزن له والصلاة عليه المرغّب فيها؛ لكان أولى لاجتماع الناس حينئذ أكثر ممّا كان قبل دفنه، وليت شعرى كيف صار واجباً فوريّاً؟! مع أنّه حين أراد النبيّ (ص) أن يكتب في مرض موته كتاباً في هذا الباب اعترض عمر وقال: «حسبنا كتاب الله». 2