145ومعيشة ضنكاً؛ لكسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي، لا يقدر على غيره، فلمّا عمى وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله بن جذعان، أحد رؤساء مكّة فنصبه ينادي على
مائدته كلّ يوم لإحضار الأضياف، وجعل له على ذلك ما يقوّته من الطعامّ، فمن أين كان لأبي بكر هذا المال، وهذه حاله وحال أبيه في الفقر والاختلال؟! قال البكري المصري في سيره: «قيل: إنّه لما بلغ النبيّ(ص) سنة ثلاث عشرة من عام الفيل خرج مع أبي طالب إلى الشام فأقبل سبعة من الروم يقصدون قتله(ص)، فاستقبلهم بحيراء ونبههم على أنّه رسول من الله تعالى، «فبايعوه وأقاموا معه، وردّه أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالاً».
وفيه وهمان:
الوهم الأوّل: بايعوه على أيّ شيء؟!
الوهم الثاني: أبو بكر لم يكن حاضراً، ولا كان في حال من يملك، ولا ملك بلالاً، إلّا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاماً، وأيضاً قد صحّ عندهم أنّه لما نزلت آية النجوى لم يعمل بها من الصحابة سوى علي (ع) ، حيث بخل أبو بكر بدرهم أو درهمين يقدمها بين يدي نجوى النبيّ (ص) .
والنظر إلى وجهه الكريم وما يفيده خطابه القويم مقدار عشرة ليال، كما نقله ابن المرتضى من أهل السنّة في تفسيره، والزمخشري الحنفي في الكشاف 1، حتّى ينزل آية أخرى ما نصب على ذلك محال أن ينفق مثلاً ذلك المال الذي رووه لأحد، ومن عجيب مناقضتهم ما رووه بقولهم عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه في تفسير قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ عٰائِلاً فَأَغْنىٰ ، قال ابن عباس: أغناه بأن جعل دعوته مستجابة، فلو شاء أن يصيّر الجبال ذهباً لصارت بإذن الله تعالى، فمن يكون كذلك كيف يحتاج إلى مال أبي بكر؟! وكيف يقال نقض تفسيراتهم لهذه الآية أنّ أبا بكر أغناه؟! وأيضاً يتوجه أنّ من أنفق المال العظيم على رجل، محال أن لا يعرف موطنه، وحيث أنفقه ولسنا نعرف أنّ لرسول الله (ص) موطناً غير مكّة والمدينة، فإن زعموا أنّ أبا بكر أنفق هذا المال بمكّة قبل الهجرة، قيل لهم علام أنفق هذا المال؟ وفيم صرفه؟! وهل كان لرسول الله (ص) بمكّة من الحشم والعيال ما أنفق عليهم هذا المال كلّه من زمان إسلام