141وأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... . فلمّا أنزل الله هذا في براءتي، قال أبوبكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال في عائشة ما قال، فأنزل الله: وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ ، وذكرت الآية السابقة ثمّ قالت: قال أبو بكر: بلى والله إنّى لأحبّ أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة الّتي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. 1 وقد علم من حديث الإفك المشار إليه أنّ من نسب عائشة إلى الزنا كان كافراً وقد صرّح بذلك أئمتنا وغيرهم؛ لأنّ في ذلك تكذيب النّصوص القرآنيّة ومكذّبها كافر بإجماع المسلمين وبه يعلم القطع بكفر كثير من غلاة الرافضة؛ لأنّهم ينسبونها إلى ذلك». 2
أقول: فيه نظر من وجوه:
أوّلاً: إنّ ما رواه عن البخاري في شأن النزول معارض لما قال غيره من أهل السنّة من أنّها نزلت في جمع من الصحابة حلفوا أن لا يصدّقوا من تكلّم لشيء من الإفك ولا يواسوهم ويؤيّدهم لفظ (أولوا) بصيغة الجمع، وعلى تقدير أنّه ورد في قصّة مسطح، ومنع أبي بكر الصدقة عنه، لم لا يجوز أن يكون نزولها في شأن مسطح أصالة، وفى أبي بكر بالعرض، وما الذي جعل القضيّة منعكسة مع ظهور أنّ المقصود الأصلي من الآية المواساة مع مسطح، وسدّ خلّته، والردّ على من خالف ذلك كما لا يخفى.
ثانياً: على التقادير لا دلالة للآية على مدح أبي بكر، ولعلّهم توهموا هذا من الوصف العنواني في لفظي الفضل والسعة، وجهلوا أنّ مثل هذا الوصف قد يعرض للكافر السخي الذي له فضل حاجة وغنى وسعة، بل قد يجتمع مع الذمّ فيقال إنّ بعض القوم مع كونهم من أولي الفضل والسعة يبخلون بما آتاهم الله تعالى، ويقال إنّ أبا بكر المتموّل عند أهل السنّة وأضرابه من أصحاب النبيّ (ص) قد بخلوا عند نزول آية النجوى عن تقديم صدقه بين يدي النبيّ (ص) حتّى نسخت الآية، فافهم.