172الحرب، بينما اختُصَّ سليمان (ع) بجري الريح العاصفة بأمره، وتسخير الشياطين له.
والأمر المشترك بين هذه الأمور هو أنَّها أمور خاصّة، يهبها الله تعالى بفضله وكرمه لبعض خلقه من الأنبياء عليهم السلام .
وأيضاً ظاهر قوله تعالى: (فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ) (الأنبياء: 79) هو أنَّ الله تعالى قد وهب سليمان (ع) علماً خاصّاً لم يهبه لأحد قبله، حتّى داود (ع) ، وأنَّه قد فضَّله الله تعالى بمزية الفَهم. قال القرطبي، حكاية عن جماعة:
«حملوا قوله:
(فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ)
على أنَّه فضيلة له على داود، وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسرّه زيادة ولده عليه» 1.
هذا كلّه مضافاً إلى أنَّ العلم من الأمور الاكتسابيّة، الّتي لا تحصل إلاّ بالجدِّ والطلب، ولو فرضنا أنَّه يقبل الانتقال بنوع من العناية، فإنَّه إنَّما يصحّ في هذا العلم الفكري الاكتسابي، والحال أنَّ العلم الّذي يختصّ به الأنبياء والرُسل عليهم السلام هو كرامة وهِبة من الله لهم عليهم السلام ، وليس ممَّا يُكتسَب بالفكر، فالنبيّ لا يرث علمه من نبيٍّ آخر، ولا من غير نبي.
ولعلّه، لهذه الوجوه، حمل جلُّ مفسِّري السنّة (الموروث) في الآية الكريمة على النبوّة أو الملك، دون العلم؛ إذ لا معنى لوراثته العلم كما مرَّ آنفاً، مع دلالت ظاهر الآية المتقدمة على أنَّه كان أعلم من والده, كما تقدَّم.
قال السمرقندي في تفسيره:
«قال عزَّوجل:
(وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ)
،يعني: ورث ملكه» 2.
وقال النسفي في تفسيره: « (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ) ،ورث من النبوّة والملك» 3.
وقال الرازي في تفسيره: « (وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ)
،وهذا يحتمل وراثة الملك، ووراثة النبوّة» 4.