171
المناقشة
تقدَّم - مفصَّلاً - أنَّ الإرث لا يتحقّق على سبيل الحقيقة إلاّ في المال، ويستعمل تجوّزاً وتوسّعاً في النبوّة والعلم وغيرهما، ولا يُصار إلى المعنى المجازيّ إلاّ في صورة وجود مانع يمنع من الحمل على الحقيقة، وهو مفقود في المورد؛ إذ لاضير من حمل التوريث في الآية الكريمة على المال، وأنَّه ورث ذلك من داود، مضافاً إلى العلم والملك، خصوصاً مع ملاحظة ذيل الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فإنَّه صريح الدلالة على أنَّ الله تعالى قد آتى سليمان (ع) كلّ شيء، من المال والملك، والسلطان والعلم والنبوّة.
هذا مضافاً إلى أنَّ سليمان (ع) كان نبيّاً عالماً في زمان داود (ع) ، بل كان أكثر علماً منه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: (وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنّٰا لِحُكْمِهِمْ شٰاهِدِينَ* فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ وَ كُلاًّ آتَيْنٰا حُكْماً وَ عِلْماً) (الانبياء: 78 و 79). فالآية صريحة الدلالة على أنَّ سليمان (ع) كان نبيّاً في زمان أبيه داود (ع) ، وأنَّ الله تعالى قد فهَّمه علماً لم يُفَهِّمْه لداود (ع) .
بل هذه الآية، والآيات الّتي بعدها، تدلّ دلالةً صريحة على أنَّ الله تعالى قد آتى داود وسليمان العلم والحكم. قال تعالى:
(فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ وَ كُلاًّ آتَيْنٰا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سَخَّرْنٰا مَعَ دٰاوُدَ الْجِبٰالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنّٰا فٰاعِلِينَ* وَ عَلَّمْنٰاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شٰاكِرُونَ* وَ لِسُلَيْمٰانَ الرِّيحَ عٰاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلىٰ الْأَرْضِ الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا وَ كُنّٰا بِكُلِّ شَيْءٍ عٰالِمِينَ* وَ مِنَ الشَّيٰاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَ كُنّٰا لَهُمْ حٰافِظِينَ) (الانبياء: 78 - 82)
فقد صرَّحت الآية الكريمة بأنَّ الله تعالى قد وهبهما العلم والحكم، وأنَّ هناك علماً مشتركاً بينهما، وهو منطق الطير، كما دلّ عليه قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) (النمل: 16).
كما أنَّ هناك خصوصيّات لكلّ واحد منهما، حيث اختُصّ داود (ع) بتسخير الجبال للتسبيح معه، وتليين الحديد له، فكان يصنع الدروع والسيوف وآلات