159نعم، هناك من ذهب من علماء السنّة إلى أنَّ الإرث مستعمل في الأعمّ من المال، وأنَّه حقيقة مشتركة بين عدّة معان، منها المال، والحبورة، والعلم، والنّبوّة، والسيرة الحسنة، كما يظهر من كلام الرازي، فبعد أن ذكر الخلاف في المراد من ميراث الأنبياء عليهم السلام ، والوجوه المذكورة فيه، قال:
«اعلم أنَّ هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة، وهي: المال، ومنصب الحبورة، والعلم، والنبوّة، والسيرة الحسنة. ولفظ الإرث مستعمَل في كلّها» 1.
وأنت خبير بأنَّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، ولا خلاف في جواز استعمال الإرث في غير المال مجازاً، لكنَّ الكلام في أصل الوضع، وقد عرفت إطباق اللُغويّين على أنَّ الإرث حقيقة في المال.
نعم، اضطرَّ بعض المتأخّرين، ممَّن لا يُؤبه به في اللغة، إلى ادِّعاء أنَّ الإرث حقيقة مشتركة بين المال وغيره، قال الآلوسي:
«ولا نُسلِّم كونها حقيقة لغويّة في وراثة المال، بل هي حقيقة فيما يعمّ وراثة العلم والمنصب والمال...» 2.
فإذن، استعمال الإرث على نحو الحقيقة في المال هو قدر متيقّن؛ إذ لم يخالف أحد في ذلك، ومن هنا، فإرادة وراثة غير المال من الحبورة والعلم، والنبوّة والحكمة والملك، تحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، أو مُعيِّنة لأحد المعاني الحقيقية المشتركة المُدّعاة، وهذه القرينة مفقودة في المقام.
وممَّا يؤيِّد استعمال الإرث في المال، في الآيتين الكريمتين، هو الحديث المتقدِّم الّذي أخرجه ابن سعد في طبقاته، قال:
فقال علي: "(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)، وقال زكريَّا: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)". قال أبو بكر: هو هكذا، وأنت والله تعلم [مثل ما] 3) أعلم
.فقال علي: " هذا كتاب الله ينطق". فسكتوا وانصرفوا 4 .
فقد حمل أمير المؤمنين (ع) الإرث في الآيتين الكريمتين على المال، ولم يعترض