28الدعاء وفضيلته عند الشارع المقدَّس، قرآناً وسنةً، أما في القرآن الكريم فقد مرّ بنا مجموعة من الآيات ذات صلة بذلك، من قبيل قوله تعالى: قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاٰ دُعٰاؤُكُمْ ... (الفرقان: 77)، فهنا حثّ أكيد على الدعاء، ومن الثابت نحوياً أنَّ كلمة «لولا» هي حرف امتناع لوجود، وما بعدها مُبتدأٌ خبره محذوف وجوباً، وتقديره «موجود»، كما لو قلت: لولا علي في الخندق لانهزم المسلمون، فيكون المراد: لولا علي موجود في الخندق لانهزم المسلمون.
بعبارة أوضح: لو لم يكن علي موجوداً في الخندق لانهزم المسلمون، فالخبر (موجود) محذوف وجوباً، والمفاد هو توقّف عدم الهزيمة على وجود علي (عليه السلام)، وهكذا في المقام، فلولا دعاؤكم موجود لما عَبَأَ (اهتمَّ أو اكترث) بكم ربُّكم، فبوجود الدعاء تحقَّق الاهتمام والاكتراث بكم، وارتفع عدم ذلك.
ومعنى كونه سبحانه عابئاً بكم هو الارتقاء بكمالاتكم، وتحقيق القرب والدنوّ منه، فتكون المحصّلة في الدعاء هو أنَّه أشبه ما يكون بحجر الزاوية في الارتقاء بحركاتكم التكاملية نحو الحقّ، بل هو كذلك.
ومن آياته في ذلك قوله تعالى: وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة: 186)، حيث تقول الآية: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، وهذه دعوة صريحة للدعاء، فالله تعالى صاحب الدعوة، وأنت المدعوّ لذلك، ومن معاني الاستجابة له اعتقادك بأنه قريب منك، بل لا يُوجد من هو أقرب منه، والقرب هذا ليس زمكانياً، وإنما هو القرب المعنوي، ونظراً لشدة أُنسنا بالماهيات