317إدراكه مسموع وإن خفي، فيسمع السرّ والنجوى، بل ما هو أدقّ من ذلك وأخفى، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم، ودعاء الداعين فيستجيب لهم، ويسمع بغير أصمخة وآذان، كما يفعل بغير جارحة ويتكلّم بغير لسان، وسمعه منزّهٌ عن أن يتطرّق إليه الحدثان. ومهما نزّهت السميع عن تغيّر يعتريه عند حدوث المسموعات، وقدّسته عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة، علمت أنّ السمع في حقّه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات، ومَن لم يدقّق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه، فخذ منه حذرك، ودقّق فيه نظرك) 1
كما أشار إلى المعنى ذاته صدر الدِّين الشيرازي في (الأسفار) حين قال في حديثه عن السمع والبصر: إنّ هذا الإدراك (يحصل بغير آلة، وإن لم يحصل فينا؛ لقصورنا إلّا بآلة) 2
ففي النصّ دلالة حاسمة على أنّ الآلة ليست من اللوازم الذاتيّة للسمع والبصر مطلقاً، وإنّما هي كذلك لبعض مراتب الوجود فقط.
وبعد بيان أنحاء المفاهيم، يتّضح الخلط الواضح الذي وقع فيه ابن تيميّة وأتباعه، ولاسيّما في المفاهيم المشتركة الصادقة على الحقّ سبحانه وتعالى وعلى المخلوقات، حيث إنّه لابدّ عند إطلاقها على الله تعالى من تجريدها من الخصوصيّات الموجودة عند الممكنات، وإطلاقها عليه تعالى بخصوصيّات تنسجم مع وجوب الواجب، والوجود الغنيّ المطلق، والأزلي، والسرمدي، ونحو ذلك من العناوين.