258
. . . . . . . . . .
بأنواع المحن و الآلام لا تصلح علة لهذا الخلق و النظام، و أما معرفته سبحانه فلا يمكن حصولها للخلق إلا بوحيه سبحانه، لتعاليه عن مشاركة الخلق في حقائقهم، و مشابهته لهم حتى يعرفوا حقيقته بذلك كما تعرف سائر الخلق به، و هو متعال عن أن يدرك بالحواس أيضا حتى يعرف بذلك، و كذا معلوم أن ما يوجب القرب و الكمال من الأخلاق و الأعمال مما لا تفي بها القوي البشرية و العقول الإنسانية فلا بد في معرفة جميع ذلك من وحي من الله سبحانه و تلقى الوحي منه تعالى لا يتيسر لجميع الخلق، إذ لا بد من نوع مناسبة بين الموحي و الموحى إليه حتى يفهم ما يلقى إليه فلذا أرسل الله تعالى من عباده أقواما من جهة روحانيتهم و تقدسهم و تنزههم عن الأدناس البشرية يناسبون الملإ الأعلى و بهذه الجهة يتلقون الوحي من ربهم جل و علا، و من جهة بشريتهم و تجسمهم و مشاكلتهم للخلق في صورهم و أجسامهم و معاشرتهم لهم في ظواهر أحوالهم، يلقون الوحي إليهم.
و أيضا لو كان الله تعالى يلقي الوحي إلى سائر الخلق كما ألقى إلى نبينا صلى الله عليه و آله في ليلة المعراج و غيرها، و إلى موسى عند الشجرة، لم تتم الحجة عليهم، لأنه لم تكن لهم قابلية أن يعرفوا أن ذلك الوحي من قبله سبحانه و ليس من الشياطين، بخلاف ما إذا سمعوا من بشر مثلهم يأتي بما لا يقدرون على الإتيان بمثله، فثبت أنه لا بد من سفراء بينه سبحانه و بينهم، و لا بد أن يكونوا من نوع البشر، و أن يكونوا مع مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مباينين لهم في سائر أحوالهم و أطوارهم و أخلاقهم مقدسين منزهين روحانيين ليضاهئوا الملإ الأعلى كما مر ذكره فيما مضى، و معصومين مؤيدين بالمعجزات ليكونوا حجة على غيرهم.
و هذا مما خطر ببالي القاصر، و هو بيان شاف، و برهان كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
الثاني: ما ذكره السالكون مسلك الحكماء و هو مبني على مقدمات عقلية:
أوليها: أن لنا خالقا صانعا قادرا على كل شيء.