257
اَلْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ اَلَّذِي سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ اَلْأَنْبِيَاءَ وَ اَلرُّسُلَ قَالَ إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً صَانِعاً مُتَعَالِياً عَنَّا وَ عَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَ كَانَ ذَلِكَ اَلصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَ لاَ يُلاَمِسُوهُ فَيُبَاشِرَهُمْ وَ يُبَاشِرُوهُ وَ يُحَاجَّهُمْ وَ يُحَاجُّوهُ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَ عِبَادِهِ وَ يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَ مَنَافِعِهِمْ وَ مَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَ فِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ- فَثَبَتَ اَلْآمِرُونَ وَ اَلنَّاهُونَ عَنِ اَلْحَكِيمِ اَلْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ وَ اَلْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَ عَزَّ وَ هُمُ اَلْأَنْبِيَاءُ ع وَ صَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ حُكَمَاءَ مُؤَدَّبِينَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثِينَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي اَلْخَلْقِ وَ اَلتَّرْكِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ مُؤَيَّدِينَ
"من أين أثبت"
على صيغة المخاطب و ربما يقرأ على بناء المفعول و هو بعيد "متعاليا عنا" أي عن مشابهتنا و الاشتراك معنا في الحقيقة و الصفة، و قوله: متعاليا ثانيا أريد به تعاليه عن العبث و اللغو، أو عن أن يشاهده الخلق و يلامسوه، فقوله: "لم يجز" صفة موضحة، و على الأول يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر لكان، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بالملامسة و المباشرة معنييهما الحقيقيين، أو إدراكه بحقيقته فإنه يستلزم حصول حقيقته سبحانه في الذهن، أو إدراكه على وجه الكمال، و المراد بالخلق أكثرهم، أو إدراك كل أحد على ما ينبغي و يليق به بالمعنى بلا واسطة.
و قوله: ثبت،
جواب لما، و السفراء:
جمع سفير من سفر بين القوم أي أصلح، أو من السفر بمعنى الكشف و الإيضاح "على مصالحهم و منافعهم" أي الدنيوية و الأخروية "و ما به بقاؤهم" من أمور المعاش، أو الأعم منها و من العبادة و المعرفة، فإن بقاء الخلق بهما "غير مشاركين للناس" أي في التقدس و القرب و الكمالات.
ثم اعلم أنه عليه السلام أشار بذلك إلى براهين شتى على اضطرار الناس إلى الرسل نذكر منها وجهين جامعين:
الأول: أنه لما ثبت وجود الصانع تعالى و حكمته و أنه لا يفعل العبث، و لو لم يكن الخلق مكلفين بمعرفته و عبادته ليفوزوا بهما بالمثوبات الأخروية و الكمالات النفسانية، لكان خلقهم عبثا، إذ يعلم كل عاقل أن اللذات الدنيوية المشوبة