259
. . . . . . . . . .
و الثانية: أن الله جل اسمه متعال عن التجسم و التعلق بالمواد و الأجسام، و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا بإحدى الحواس خلافا للكرامة و من يحذو حذوهم.
و الثالثة: أنه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام، و سبيل المصلحة للخلائق في المعيشة و القوام و البقاء و الدوام.
و الرابعة: أن الناس محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدنيا، و النجاة من العذاب في العقبى و ذلك لأنه من المعلوم أن الإنسان لا تتمشى معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا كغيره من أنواع الحيوان يتولى أمره من غير شريك يعاونه على ضروريات حاجاته، و أنه لا بد من أن يكون مستغنيا بآخر من نوعه يكون ذلك أيضا مستغنيا مكفيا به و بنظيره، فيكون هذا يزرع لهذا و هذا يطحن لذاك، و ذلك يخبز لآخر و آخر يخيط لغيره، و هذا يبني و هذا يتخذ الحديد، و هذا ينجر و على هذا القياس، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا و لهذا اضطروا إلى عقد المدن و الاجتماعات للمعاملات و المناكحات و سائر المعاونات و المشاركات.
و بالجملة لا بد في وجود الإنسان و بقائه من المشاركة، و لا تتم المشاركة إلا بالمعاملة، و لا بد في المعاملة من سنة و قانون عدل، و لا بد للسنة و العدل من سان و معدل، و لا يجوز أن يترك الناس و آراءهم و أهواءهم في ذلك، فيختلفون، فيرى كل أحد منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما و جورا، و لا بد أن يكون هذا المعدل و الإنسان بشرا لا ملكا، لأن الملك لا يراه أكثر الناس إلا أن يتشكل بشرا، لأن قواهم لا تقوى على رؤيته على صورة الملكية، و إنما رآهم الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية.
ثم لو فرض أن يتشكل بحيث يراه سائر الخلق كجبرئيل في صورة دحية كان ملتبسا عليهم كالبشر كما قال تعالى: " وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنٰا عَلَيْهِمْ