74، كما أنّ الله تعالي يحدّثنا عن مكّة كيف كان خطف الناس رائجاً في أطرافها، لكنّ الله جعل أرضها حرماً آمناً، لا لأنّ سكّان الحرم الإلهي ومدينة مكة قد غدوا أناساً صالحين، بل لأنّ الناس تفهم حرمة الحرم وتقوم بحقه، قال تعالي: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنٰا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النّٰاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ 1، وحيث كان الخطف أمراً تكوينياً فإن الأمن الذي يقابله سيكون تكوينياً أيضاً.
ويستفاد جيداً من الآيات المذكورة المرتبطة بعصر الجاهلية أن خطر الهجمات والغارات والخطف وقطع الطرق كان قائماً خارج نطاق الحرم، أمّا في الحرم فلم يكن كذلك، فحكم الأمن تشريعاً إنما جاء بعد الإسلام، والقرآن الكريم عندما يذكر الأمن في الحرم في العصر الجاهلي إلي زمان الإسلام وإلي ما بعده أيضاً فإنما يقدّم ذلك شاهداً ومستنداً له.
يقول الإمام الصادق(ع) حول أمن الحرم:
«من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن، ومن دخل البيت مستجيراً به من المذنبين فهو آمن من سخط الله، ومن دخل الحرم من الوحش والسباع والطير فهو آمنٌ من أن يُهاج أو يؤذي حتي يخرج من الحرم». 2
ولابدّ من الالتفات إلي أن الإعلان عن أمن الحرم المكي لا يعني حرية أيّ إنسان في أن يقوم بما يشاء فيه، ذلك أنّ الله تعالي يحدّثنا عن أناس كانوا يعيشون بأمن في بلادهم غير أنّ الله أغرقهم بالخوف والجوع والاضطراب إثر كفرهم بنعمه، قال تعالي: وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اللّٰهُ لِبٰاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ 3