173فالتزكية المذكورة في هذه الآية أتت أيضاً لبيان باطن هذه الاُمور كافّة، وكما أنّ تزكية أيّ عمل تكون بنيل أسرار ذلك العمل، فإنّ أيّ عمل له سرّ، يكون الاهتمام به أساساً لتزكية الروح.
والحجّ، مثله مثل سائر العبادات والآداب والسنن والفرائض، جاء لتهذيب النفس، فمحرّمات الحجّ جاءت لتطهير القوي النفسانية التي تتورّط أحياناً بالمعاصي والمهلكات، كما أشارت الآية الشريفة: فَلاٰ رَفَثَ وَ لاٰ فُسُوقَ وَ لاٰ جِدٰالَ فِي الْحَجِّ 1، إلي ثلاثة محرّمات في الحجّ، يتعلّق كلّ واحد منها بتطهير قوّة من القوي الإنسانيّة، ف- (لارفث) تنظر إلي تطهير القوّة الشهوانيّة، و (لافسوق) لتطهير القوّة الغضبيّة، و (لاجدال) لتهذيب القوي الفكريّة.
وبطهارة هذه القوي الثلاث تطهر جملة أعمال الإنسان؛ لأنّ أيّ عمل يصدر من الإنسان يرجع بالتحليل الدقيق إلي هذه القوي الثلاث، وتفصيل هذا البحث موكول إلي علم الأخلاق.
والجدير بالذِّكر أنّ أيّ عمل إنّما يصدر من مصدر خاصّ ويحكي عن خصوصيّاته، فالصدر المشروح يصدر عنه عمل خالص ومشروح، غير مبتلي بنقص ولا ملوّث بعيب؛ وعلي هذا الأساس فإنّ زائر بيت الله الحرام، يغدو حجّه خالصاً وخلوصاً ومشروحاً أكثر بتبع درجة معرفته بأسرار الحجّ نفسه؛ لأنّ الخلوص الذي هو معيار الاستفادة من الثواب، وشأنٌ من شؤون العقل العملي، مسبوقٌ بالمعرفة؛ والمعرفة من شؤون العقل النظري، فعلي السالك - في البداية - أن يفهم المراحل العباديّة ويعيها، حتّي يكون لديه في مقابل فهمه ومعرفته إقدامٌ خالص علي الفعل.
إذن، فبدون التعرّف علي أسرار الأعمال لن يتيسّر طيّ مراحل الإخلاص كاملةً،