174وهذا الأمر صادق في حقّ التعرّف علي أسرار سائر العبادات أيضاً.
وعليه، فعندما يشرع شخص - قبل التعرّف علي أسرار الحجّ - بالسفر إلي بيت الله، فحجّه وإن كان يمكن أن يكون صحيحاً بحسب الظاهر، إلاّ أنّه بذلك لميحقّق الحجّ الكامل والمقبول، ولم تكن الضيافة من نصيبه؛ لأنّ روح إقامة الحجّ لم تتعالي عنده بسبب عدم اطّلاعه علي أسرار هذه الفريضة.
ولمزيد من التعرّف علي أسرار الحجّ، لابدّ من الرجوع إلي عادات وسيرة الحجّاج الصالحين الحقيقيّين؛ أعني المعصومين:؛ لوضع حجّهم تحت مجهر المطالعة الدقيقة والتأسّي بهم في ذلك؛ لأنّ هؤلاء كانوا يراعون - مع الآداب والسنن والفرائض والأعمال الظاهريّة للحجّ - العناصر التكوينيّة التي تقوم عليها هذه الأعمال.
ويظلّ استذكار هذا الأمر مفيداً، وهو أنّ سرّ الكثير من العبادات غير مخفيّ ولامستور عن القائمين بها، إلاّ أنّ فهم أسرار مناسك الحجّ يبقي أمراً عسيراً وشاقّاً، فالكثير من أسرار الحجّ يصعب شرحها بالعقل البشري أو لا يتيسّر ذلك أساساً؛ من هنا احتوت مناسك الحجّ عبوديّة محضة وتامّة، منسجمة مع التعبّد الشديد الزائد عن أمثاله في سائر الأحكام الدينيّة، تماماً كما قال رسول الله(ص) عند التلبية: «لبّيك بحجّة حقّاً تعبّداً ورقّاً». 1
التناغم بين سيرة الحاجّ وسرّ الحجّ
عدّ الله سبحانه الحجّاج والمعتمرين من شعائره؛ فقال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ وَ لاَ الشَّهْرَ الْحَرٰامَ وَ لاَ الْهَدْيَ وَ لاَ الْقَلاٰئِدَ وَ لاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوٰاناً 2، فالحاجّ عندما يعزم علي زيارة البيت يغدو