172أمّا تقوي الأحرار التي لا تنشأ من خوف النار ولا طمع الجنّة، وإنّما من محبّة الله سبحانه، فإنّها تستمرّ بهم إلي لقاء الله، فيصلون إليه، لما عندهم من الزاد، فالتقوي التي تنال الله تعالي ليست صفةً منفصلة عن روح المتّقي وذاته، فصاحبها متّق يحظي بلقاء الله.
إنّ سفر الحجّ للزائر الذي وصل للمقصد وعثر علي مقصوده في ذلك المقصد ثمّ رجع، هو سفرٌ «من الحقّ إلي الخلق بالحقّ»، وهذا المسافر لديه سفر نفسي إلي جانب السفر الاُفقي والآفاقي، وهو يدرك أنّ الله تعالي معه: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ 1، إنّ مثل هذا الزائر يرجع إلي دياره ومعه مضيفه نفسه 2، بنورانيّة تجعله كأنّه ولد من امّه من جديد
«مَن أَمَّ هذا البيت حاجّاً أو معتمراً مبرءاً من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته امّه» 3، والناس مكلّفون بزيارة مثل هذا القادم من سفر الحجّ قبل أن يتلوّث حجّه بأيّ معصية أو ذنب، فينالون بذلك من النور الإلهيّ لِحجَّتهِ. 4
تزكية الروح في ضوء معرفة الأسرار
يقع قسم مهمّ من تزكية النفوس في ضوء معرفة أسرار العبادات والأحكام الدينيّة، إنّ تعليم الكتاب والحكمة الوارد في الآية الشريفة: وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ 5، مفهوم يستوعب العقائد والأخلاق والأعمال العباديّة، كما يستوعب أيضاً القضايا الاقتصاديّة، والسياسيّة، والعسكريّة، وما شابهها، من هنا