164نعم، شكل الاعتماد علي العبادة يتناسب في كلّ نشأة مع تلك النشأة، ففي الدُّنيا تعتمد علي العبادات التشريعيّة، وفي الآخرة تقوم علي باطن تلك العبادات.
إنّ العبادة وإن كانت - بالمعني الذي ذكرناه- غاية الخلقة، إلاّ أنّها في نفسها مقدّمة لليقين، واليقين هو الغاية وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ، والحجّ أيضاً يمثِّل إعداداً لهذا الهدف الرفيع للعبادة، أي اليقين؛ لأنّه نورٌ وبصيرة وشهود، من هنا جاء في الروايات أنّ تارك الحجّ يحشر أعمي، وأنّه أعمي في الدُّنيا وفي الآخرة كذلك وأضلّ. 1
ويُستنتج من الآية الشريفة: اَللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً 2، أنّ هدف ظهور العالم، أي ظهور الحقّ في مرآة الخلق، هو اطّلاع الإنسان السالك علي علم الحقّ وقدرته، وهذا العلم الشهودي يجعل العارف الواصل مظهراً للعليم القدير، بحيث إذا أذِنَ الله تعالي، يمكنه ببسم الله الرحمن الرحيم أن يفعل ما كان يتحقّق في الآخرة بصرف الإرادة... أن يفعله في الدُّنيا كذلك، وكلّ ما يريد أن يعلمه فإنّه يشاهده.
كشف سبيل سرّ العبادة
إنّ ما يقع داخل إطار عمل الجوارح أو علي مستوي خواطر الجوانح، يكون من أحكام العبادات أو من آدابها، وليس أيّ منهما سرّاً للعبادة، فقط ما يقع في مدار شهود العقل النظري وانبعاث العقل العملي.. هو ما يمكن عدّه سرّاً للعبادة.