260وأساساً إنّ كلَّ ما يثبُتُ عن طريق النقل المتواتر، ولكن لا يقدر الإنسان على التحقّق منه، ومشاهدته لا يجوز له أن ينكره أو يتردّد في القبول به مادام رُوِيَ ونُقِلَ بالتّواتر الموجب للاطمئنان، لأنّ قِسماً من الأحكام الإلهيّة التي هي من مسلّمات الدين الإسلاميّ وضروريّاته سيتعرَّض للتردِيد والإنكار إذا تجاهَلْنا هذه القاعدةَ العقلائيةَ الصائبةَ، وهذا الأمر العرفي معقول جداً.
وغيبةُ الإمام المهديّ عجل اللّٰه فرجَه الشريف ليس بمستثنىً من هذه القاعدة، وعَدَم الاطّلاع على سِرّها أو أسرارها الحقيقية لا يجوزُ الترديدُ فيها، وإنكارُها.
ومع ذلك فإنّنا يجب أن نقول: إنّه من الممكن إدراك سرّ الغيبة هذه في حدود فكرِنا البشريَّ وهذا السِّر هو ما يلي:
حيث إنّ آخرَ حُجَّةٍ من حَجَج اللّٰه وآخر إمامٍ من أئِمة أهلِ البيت قد أرادَ اللّٰهُ تعالى أن يُحقّق به الأُمنيةَ الكبرى (وهي بسط العدل والقسط ورفع راية التوحيد على كل ربوع الأرض) وهذه الأُمنية الكبرىوهذا الهدف العظيم لا يمكن أن يَتحقق إلّابعد مرور ردح من الزمان، وإلّا بعد تكاملِ العقلِ البَشَريّ وتهيّؤهِ الروحيِّ والنفسِيّ لذلك، حتى يستقبلَ العالَمُ - بشوقٍ ورغبةٍ - موكبَ الإمام والمصلح العالميّ، موكبَ العَدلِ والحريّةِ والسلامِ، لهذا فإنّ منَ الطبيعيّ أنّ هذا الإمام لو ظَهَرَ بين النّاس، وعاشَ بين ظهرانيِّهم قبلَ نُضُوج الأمر، وحصولِ المقدّمات اللازِمة، والأرضيّة المناسبة، كان مَصيرُه ومآلهُ، مصيرَ من سَبَقه من آبائِه من الأئمِةِ