91وهنا تتأكّد أصالة النهج الوضوئي وأحقّيّته ، ولا يهمنا بعد ذلك أن يكون ابن عمر رجع وقال بالمسح على الخفين أم لم يرجع ، وإن ذلك ليرجع إلى الظروف التي كان يعيشها؛ إذ عرف عنه عدم استقراره في مواقفه السياسية ، لأنّه قد صار في أواخر عمره تبعاً للسلطات الأموية .
لكنّ الحقّ أنّ نهج التعبّد المحض والتحديث أخذ ينشط ويعمل بكلّ دأب وجدٍّ في زمن خلافة علي بن أبي طالب ، لذلك نرى كتاب الإمام علي إلى محمد بن أبي بكر - واليه على مصر 1 - وسائر مواقفه الوضوئية والفقهية الأخرى ، تؤكّد على كثير من الأحكام الشرعية التي كانت من البداهة بمكان ، ومن جملتها الوضوء الثنائي المسحي ، والصلاة وغيرها من بديهيات الأحكام الشرعية ، وعليٌّ هو رائد مدرسة التعبّد والدعوة لفتح باب التدوين والتحديث .
نعم ، جَدّ الإمام عليّ ليمحو الآثار الّتي خلّفتها الحكومات التي سبقته ، بسبب اجتهاداتها المتكررة ، فراح يؤكّد على ضرورة اتّباع نهج التعبد ، واتّباع خطى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في أحكامه وأفعاله .
فالوضوء إذن ، لا يمكن تفكيكه عن مسألة التحديث والتدوين ، ولا مسألة الاجتهاد والتعبد بحالٍ من الأحوال ، لأنّ روّاد التعبد المحض هم رواد الوضوء الثنائي المسحي ، ورواد الاجتهاد - في زمن عثمان وما بعده - هم رواد الوضوء الثلاثي الغسلي ، ولا ننسى أنّ عثمان بن عفان كان قد صرّح بكون معارضيه في الوضوء هم من المحدّثين عن رسول اللّٰه؛ لقوله :
«إن ناساً يتحدثون عن رسول اللّٰه ! . . .» .