84حدسهم في جميع المطالب على الحقّ و الصواب،فإنّ النّفوس البشريّة تأخذ من النقصان في الترقّي إلى الكمال على التدريج مرتبة بعد اخرى،فإذا بلغت أقصى مراتب الكمال الممكن لنوع البشر صارت نفسا قدسيّة،المعبّر 1عنها في القرآن العزيز بقوله تعالى: يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ 2.
المقدّمة السادسة
في انقسام أثر النّفس إلى الإدراك و التحريك
اعلم أنّ للنّفس الناطقة قوّتي إدراك و تحريك،أمّا الإدراك فهو تحصيل الصور المعقولة في القوّة العاقلة،و انتقاش النّفس بها بواسطة انتزاع القوّة العاقلة للامور الكلّيّة من الأشياء الجزئيّة المحسوسة،أو المتخيّلة،و ذلك يستدعي التفات النّفس إلى جهة التعقّل،و انصرافها عن الموادّ الجسمانية.
و أمّا التحريك،فلأنّ النّفس لمّا طلبت الاستكمال في المعقولات بواسطة الإحساس المستند إلى الحواسّ الجسمانيّة الحاصلة في البدن،وجب أن يكون للنّفس تعلّق تامّ شديد بالبدن،و اتّصال ما لها به،و الاعتناء بتدبيره،و تحريك الآلات الجزئيّة في الامور النّافعة للبدن،إمّا لجلب 3نفع،أو دفع ضرر،و لهذا وجب لكلّ ذي قوّة إدراك أن تكون له قوّة تحريك،خصوصا و البدن مركّب من الامور المتضادّة المتداعية إلى الانفكاك،فلو لا الحافظ لها عن الانفكاك لبطل المزاج،فالواجب إثبات هاتين القوّتين للنّفوس البشريّة،و إذا 4كان التفات النّفس إلى أحد الجانبين يشغلها عن الالتفات إلى الآخر لا جرم حصل التفاوت