54بالنسبة إلى المعنى الحقيقي.
و قد أراد الفقهاء من ذلك أنَّ الأصل في الطهارة هو الطهارة الماديَّة، و قد تسرّب استعمالها إلى إشكال الطهارة المعنوية بالمجاز، ثم حصل التوسّع إلى أن انتقل الأمر إلى الحقيقة، و لعلهم يشكّكون في هذا الانتقال أيضاً.
إذن سيكون استعمال الطهارة في المعنوية منها مجازاً أو أقرب للمجاز.
فمن الطريف أن نفهم أن أغلب تلك المعاني العشرة إنَّما هي من الطهارة المعنوية، بل كلها على ما سوف نقول، و قد برهنا بالأصل و التبادر على أنها كلّها استعمالات حقيقية. و المورد الوحيد الذي من قبيل الطهارة الماديّة هو ما استدركناه على اللغويين قبل قليل. و قد عرفنا أنه غير موجود في كلامهم.
و إذا حصل لدينا أنَّ الطهارة هي النزاهة من الدنس، أمكننا أن نجد لها مصاديق أخرى، غير ما قاله الفقهاء و اللغويون معاً، و تشترك كلّها بنحو الاشتراك المعنوي تحت ذاك المعنى الجامع.
و تنقسم الطهارة إلى أصناف متعدِّدة، بانقسام الدنس الذي ترفعه و تقوم بالتنزيه عنه. و هذه الأصناف للأدناس و إن اختلفت في الحقيقة، إلاَّ أنها ذات فهم معنوي واحد، ما دام الشعور بالدنس مشترك بينها جميعاً. على أن اختلاف الدنس في الحقائق، لا يعني اختلاف الطهارة في الحقيقة، لأنها تعني معنى واحداً، و هو ارتفاع الدنس مهما كان جنسه. سواء فهمنا منها معنى عدميّاً و هو ارتفاع الدنس و انعدامه، أو معنى وجوديّاً حاصلاً بعد ذلك الانعدام. و هو الصحيح الموافق للارتكاز العرفي و العقلي معاً. فإنَّ النزاهة و النظافة ذات معنى مفهوم قائم بذاته، غير أنه حاصل بسبب زوال الدنس و انعدامه. و معه فالأصناف المتعدِّدة للطهارة، كما عبّرنا، لا تعني اختلاف هذه الأصناف في الجنس و الحقيقة، و إنما هي تقسيمات جانبية مندرجة تحت حقيقة و مفهوم وجودي واحد، و هو النظافة و النزاهة.
و لعلنا نستطيع أن نقسم الطهارة إلى ثلاث تقسيمات رئيسية. سنجد أنَّ بعضها ينقسم إلى انقسامات أخرى