47
الفسق:
لا بدّ لنا، و نحن نتحدث عن العدالة، أن نلمَّ بالحديث عن الفسق الذي جعل مقابلاً لها. فما هو الفسق و هل هو مقابل للعدالة تماماً؟ ! .
الفسق في اللغة 1هو الخروج. و العرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها. و كأن الفأرة إنَّما سمِّيت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس. و الفسق هو الخروج عن الأمر فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج. و قال ابن الأعرابي: لم يسمع في كلام الجاهلية و في شعرهم فاسق. قال: و هذا عجب و هو كلام عربي. و يقال: إنَّه لفسق أي خروج عن الحق. قال أبو الهيثم: و قد يكون الفسوق شركاً و يكون إثماً. و هذا هو بعينه اصطلاح المتشرعة و الفقهاء، و ليس لهم اصطلاح وراء هذا المعنى. كل ما في الأمر أنَّ الذي يظهر من اصطلاحهم هو أنَّ الفاسق من كان على ظاهر الإسلام و لكنه يعمل المآثم و المحرمات. و أمَّا الكفار و المشركون فلا يصدق على حالهم الفسق.
إلاَّ أنَّ هذا كما هو على خلاف عبارة أبي الهيثم السابقة من الناحية اللغوية، و هو أيضاً مخالف للاعتبار لأنَّ الفسق هو الخروج، و أمَّا مقدار هذا الخروج عن الشريعة فليس بمحدّد، فيكون كلّه فسقاً، و إن صدق معه عنوان آخر أو أكثر كالكفر أو الشرك. نعم، قد يكون عنوان الفسق وحده صادقاً، كما في من كان على ظاهر الإسلام.
و القرآن الكريم ناطق بكلا المعنيين. فمن كان فاسقاً على ظاهر الإسلام. مثل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . و قوله تعالى وَ لاٰ تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللّٰهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ .
و من كان فاسقاً خارجاً عن الإسلام تماماً فيه آيات عديدة، منها قوله تعالى:
فَأَنْزَلْنٰا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ . و قوله:
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ اَلْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمٰا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ . و قوله تعالى وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ و غيرها.