33ناشئ من المنحى الأول. لوضوح أنَّ المكلَّف لم يطبق كل الفتاوى التي علمها. و إنما نوى تطبيقها فحسب. نعم، يحتاج هذا القول ليمتاز عن القول الأول إلى ضم هذا القيد، و هو أنَّ النية إنما تتعلق بما علم المكلّف من الأحكام لا الأحكام كلّها حتى لو كانت مجهولة. و بتعبير أوضح أنّ المكلّف إنما يتعهد و ينوي العمل بهذه الرسالة العملية للمجتهد لا بغيرها من الأحكام. مع افتراض أنَّ استلامه للرسالة العملية بمنزلة علمه بمضامينها. إلاَّ أنَّ هذا باطل من وجوه نذكر منها اثنين:
الأول: إنَّ استلام الرسالة ليس بمنزلة علمه بمضامينها. و إنما يعلم المضمون إذا قرأه و فهمه. و هذا لا يحصل من العوام بطبيعة الحال.
الثاني: إنَّ النية وجداناً تتعلق بالاعتماد على هذا المجتهد الذي يكون قوله حجة، في كل الفتاوى، و ليست في خصوص ما هو موجود في الرسالة.
فإنَّ الفرد يدرك إجمالاً أنه يبتلى في حياته بحوادث لا توجد أحكامها في الرسالة أو لا يفهمها منها. فهو ينوي أيضاً أن يرجع إلى المجتهد في مثل ذلك أيضاً.
و عليه، فإن كان المنحى الأول للتقليد صحيحاً، و هو مجرد النية. إذن، يكون القول الأول-و هو جواز البقاء على تقليد الميت في كل فتاواه ما علم و ما لم يعلم و ما عمل و ما لم يعمل-هو الصحيح. إلاَّ أن نقطة الضعف إنما هي في صحة أصل هذا المنحى كما عرفنا.
هذا، و كما عرفنا من جانب الاجتهاد، أنه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، و الصحيح ما عرفناه من استنطاق الأدلة الشرعية، الدالة على كون الفرد فقيهاً، و عارفاً بالأحكام، و ناظراً في الحلال و الحرام، فإن كان كذلك كان قوله حجة، كما سبق. فكذلك مفهوم التقليد، فإنه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء و لم يرد في الكتاب و السُّنَّة، إلاَّ في رواية عن تفسير العسكري-عليه السَّلام-يقول فيها: فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر موادة فللعوام أن يقلِّدوه.
و هي محل المناقشة من ناحية السُّنَّة و الدلالة بما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.