29المعصومين-عليهم السَّلام. سنَّ لهم الطرق و القواعد التي توصلهم إلى معرفة الحكم الشرعي، و هي التي يتكفل علم أصول الفقه ببيانها. و هذه القواعد قد توصل الفرد إلى الحكم بشكل قطعي، و قد توصله بشكل ظني، و قد توصله إلى الحكم الظاهري المجعول في حال الشك. و هو في كل هذه الأحوال يعلم باليقين أنه معذور باتِّباع ما أوصلته إليه الطرق و القواعد من أحكام، و عمله مجزئ و مفرغ للذمة إن شاء اللّٰه تعالى.
و عمل الشارع في جعل هذه الطرق يشبه إلى حدٍّ بعيد ما عليه الأفراد في المجتمع من التعويل في تصديق الوقائع على الالتفات و على المتواتر من الأخبار. فإن لم يكن له ذلك أمكنه تجنب الورطات بعمل معيَّن صالح على أي تقدير الذي هو معنى الاحتياط.
و من الواضح أنَّه كلَّما كان ثبوت الخبر أوكد و أوثق كان أوضح في الذهن و أقر في القلب. فكذلك فإن أخبار المجتهد الأعلم عن الحكم الشرعي يكون أوضح في الذهن، و أقر في القلب، و أكثر إيصالاً إلى الواقع و أكثر تجنّباً لمزالق الطريق، و أوفق بالاحتياط. فإذا دار الأمر بين خبر قيمته 85 بالمئة، و خبر قيمته 95 بالمئة مثلاً. الذي هو معنى إخبار غير الأعلم مع إخبار الأعلم، كان الترجيح للخبر الأرجح طبعاً. و خاصة في المجال الذي يكون بالغ الأهمية، و هو علاقة العبد بربه و فراغ ذمته من تبعات التكاليف أمامه سبحانه و تعالى. إذن فالحكمة التي ندركها من وجوب تقليد الأعلم هي تلك.