54وبالطبع إنّهم يُقيمون على أطلال تلك الدولة التي اشتهرت بمخالفتها للدين. فحاولوا أن يُظهروا الاتصال الوثيق بين الدين والدولة، ليكوّنوا من أحكام الشريعة الإسلامية دستوراً ونظاماً تسير الدولة عليه سيراً صورياً، فقرّبوا العلماء، واتّصلوا بهم اتصالاً وثيقاً، وآثروا نشر العلم، وجعلوا القضاء بيد أهل الرأي من أهل العراق، وكان أبو حنيفة إمام أهل الرأي، وفقيه أهل العراق آنذاك.
ولمّا بويع أبو جعفر المنصور العباسي سنة 136 للهجرة ، استقرّ أبو حنيفة في الكوفة، فأكرمه المنصور غاية الإكرام، وخصّه ببعض العطايا، لكن الأمر لم يدم على ذلك طويلاً، فتركه المنصور مدة، ثمّ سجنه حتى مات.
عوامل انتشار المذهب الحنفي
يُعدّ من أهمّ عوامل انتشار هذا المذهب تولّي أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الكوفي المتوفى سنة 182 القضاء، ثمّ تولّيه منصب قاضي القضاة في عهد الرشيد حوالي سنة 170 للهجرة، ولمكانته وسلطته التنفيذية يومذاك، كان له الفضل الأكبر على مذهب أبي حنيفة، حيث بذل ما بوسعه من جهد في نشر المذهب في أرجاء الدولة العباسية المترامية الأطراف، فكانت للمذهب الحنفي خطوة واسعة في قطع مسافة الشهرة بما لم يسعد به غيره.
فقد بدأ المذهب الحنفي ينتشر في شمال القارة الإفريقية مثل: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب العربي عن طريق عبد الله بن فروخ الفارسي وتلاميذه، ثمّ اتسع انتشاراً عندما تولّى القضاء أسد بن الفرات بن سنان تلميذ محمد بن الحسن الشيباني، وبقي كذلك إلى أوائل القرن السادس الهجري ، عندما حَمل المُعزّ بن باديس الناس في هذه البلاد على مذهب مالك 1.