51ولكنّهم يشركون به في مقام الربوبية والتدبير، فالنصارى واليهود يعتقدون بوجود الله الخالق الواحد إلّا أنّهم يعتقدون بالتجسيم أو الحلول، ويعتبرونهما أمران لا دخل لهما بعقيدة التوحيد والخالقية؛ إذ مع حلوله وتجسده بجسد أحد عباده بعدما اختاره لا يعني حلول ذاتين بجسد واحد، بل ذات العبد صارت ذات المعبود والخالق، لها ما للخالق من صفات الخلق: الإحياء والإماتة والرزق والعلم والتصرف وغيرها بالاستقلال والأصالة، فصاروا بذلك يعتقدون بأُلوهية هذه الذات المتجسم بها الباريء عزّ وجلّ - بحسب زعمهم ورؤيتهم الباطلة - ثم إنّهم يعتبرون الإيمان بهذه العقيدة الباطلة أمراً تعبدياً فلا يحقّ للعقل السليم أن يتدخل في إبطالها؛ سواء أكان راجع لعدم قدرته على إقامة البرهان على إثباتها أم كان على إثبات تناقضها؛ إذ ليس للعقل قدرة على تصديق أن تكون هناك طبيعة واحدة وفي عين أنّها واحدة هي كثيرة؛ لأنّ لازم ذلك اجتماع النقيضين، فبالوحدة ترتفع الكثرة وبالكثرة ترتفع الوحدة، فيكون وجود كل واحد منهما متوقف على ارتفاع الآخر، فلا يمكن مع ذلك تحقق أيًّ منهما، فإن أرادوا بأنّ كل واحد من هذه الأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) واجد لكمال الحقيقة الإلهية، فهذا ينافي التوحيد الذاتي لأنّه تسليم بوجود الشبيه والنظير والمثل، والحقّ أنّه واحد لا نظير له ولا شبيه، هذا من جهة واحديته ووحدانيته، وكذلك يلزم أن يكون لكل واحد من هذه الأقانيم الثلاثة حد ينفصل به عن بقية الأقانيم الأخرى؛ وإلا لا يبقى معنى للتمايز والعددية، وإذا صار كل واحد منها مركب من كمال الحقيقة وشيء وحدًّ يفصله ويميّزه عن بقية الأقانيم، لزم التركب، فلزم الاحتياج وخرج عن حد الألوهية والوجوب ودخل عالم الفقر والإمكان، فسلبت القدرة منه على التأثير والإيجاد، والمفروض أنّ له كمال الحقيقة الإلهية بما فيها غناها ووجوبها وقدرتها على كلّ شيء.
وأمّا القول بأنّ الذات واحدة وواجدة لكمال الألوهية، غاية الأمر أنّ هذه الأقانيم الثلاثة تعتبر تجلّيات فعلية لها في الخارج، متجلّية بما لها من الكمال الوجودي، فهي قدرة الله الفعلية، وعلم الله الفعلي، وحياته الفعلية، و...إلى غير ذلك من الصفات الفعلية للذات الإلهية، فهذا