25إثبات النظم والحركة والتغير والتبدل والحدوث، ومن الأشياء ما ليس للحسّ والتجربة دور فيها، فيتمحض العقل في الحكم فيها إثباتاً أونفياً، من قبيل قاعدة (استحالة اجتماع النقيضين)، ومن الأشياء لا دخل للحسّ والعقل في معرفتها والحكم عليها، بل يعود أمرها إلى الشهود العرفاني والوحي الإلهي كمواقف يوم القيامة ومشاهدها الخاصة.
وبعد هذه المقدمة فهل تجب المعرفة الحسية والتجريبية للتوصل على معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله؟ فنقول مادام الحقّ تبارك وتعالى جعل من بين الأدلة والبراهين على وجوده ما يتوقف الحكم فيه على تفعيل الجانبين الحسّي والتجريبي عند الإنسان، من قبيل برهان النظم وبرهان الحركة وبرهان الحكمة وبرهان الحدوث ونحوها، حيث قال تبارك وتعالى: (سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) 1فلا إشكال في أنّ الاعتماد على الحسّ والمشاهدة والمطالعة الآفاقية كمقدمة لحكم عقلي كلي بما يوجب عند الإنسان الاعتقاد بوجود الاشياء والتعرف على صفاتها؛ فمن المطالعة الآفاقية نصل إلى أنّه تعالى ذو علم واسع وقدرة مطلقة لا حدود لها وأنّه أبدع هذا الكون بعلم وحكمة وإتقان، فبعض الصفات قد تكون محجوبة عن معرفة العقل لها، ولكنها ظاهرة مكشوفة للحسّ والتجربة، وهو ما يرتبط بصفة ربوبيته للأشياء، فالعقل لإدراك حقّ العبودية والحسّ لأدراك الربوبية. قال الخواجة الطوسي: (والأحكام والتجرد واستناد كلّ شيء إليه دلائل العلم) 2.
كما أنّ من جملة الآيات الأخرى ما من شأنها أن تحرّك في نفس الإنسان البحث والمعرفة من قبيل قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مٰا ذٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا تُغْنِي الْآيٰاتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاٰ يُؤْمِنُونَ ) 3 وقوله تعالى: (إِنَّ فِي اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ