24عرفنا هناك طرق أخرى يتم التعرف بها على ما هو خارج عن دائرته ومجاله.
كما ينبغي الالتفات أيضاً إلى أنّه هناك بعض المؤثرات الخارجية والنفسية قد تحرف العقل عن مسار عمله الصحيح في إدراك الواقع، والتي هي من قبيل: الغضب والشهوة والعادات الاجتماعية والتقاليد العائلية والتعصب المذهبي والطائفي والقومي، وغيرها، كلّ ذلك يمكن أن يشكّل عاملاً مؤثراً على انحراف العقل عن الطريق المستقيم، فيحرم من إدراك الواقع والحقيقة في النهاية. 1
وعليه يلزم التأكيد على وجوب المعرفة والبحث العقلي عن الله تعالى والنبوة والنبي(ص) عند فقدان الطرق الأخرى، أو لأجل تأكيد وتوثيق المعارف التي تمّ الحصول عليها من تلك الطرق، كما أنّ الأدلة والبراهين عليها عقلية وقد تعتمد على بعض المظاهر الحسية من قبيل النظم السائد فيها للدلالة على وجود الله تعالى، والمعجزة للدلالة على تعيين النبي(ص) وصدق مدعاه، كما قد تتضمن الآيات والأحاديث ما يدلّ على وجوب المعرفة أو بعض البراهين عليها من جهة كونها إرشادية لا ملزمة للتعبد بها دون إقامة البرهان والدليل عليها.
وقد تجب المعرفة العقلية من باب دفع الضرر المحتمل، فالعقل أهم دليل على وجوب هذه المعرفة، بل المعرفة بمطلق أصول الدين، والمراد من الضرر هو مطلق الضرر اللاحق بنفس الإنسان ومنها العقاب الأخروي على ترك المعرفة والالتزام بالتكاليف الإلهية الموجبة للفوز بالجنة والبعد عن النار، وليس المراد من ذلك الضرر الدنيوي المحتمل فقط دون المقطوع به، فالضرر الأخروي والخلود أو العذاب في النار وأهوالها مما يحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فضلاً عن المقطوع.
وعلى أيّ حال فإنّ العقل يحكم بضرورة وجوب المعرفة، كوجوب الاستدلال على إثبات وجود الله تعالى والنبوة والنبي(ص)؛ لأنّه قبل معرفة الله والرسول والاعتقاد بهما، لا معنى للتعبد والتسليم لهما.
القسم الرابع: المعرفة الحسية والتجريبية
الثابت بالدليل والوجدان أنّه لا يمكن إنكار دور المعرفة الحسية والتجريبية وأهميتهما بأيّ شكلٍ من الأشكال، بل المنكر لذلك يعد خارجاً عن طور الإنسانية ومكابراً للحقيقة والواقع، حتى إنّ المناطقة والفلاسفة عدّوها من الأوليات الستة 2، ولكن هذا لا يعني التعويل عليها في معرفة كلّ شيء، فهي كسائر المعارف الأخرى لها شروط وضوابط وحدود، إذا توفرت هذه الشروط وكان في ضمن الإطار المحدد لها صح الاعتماد عليها، ولكن إذا ما تجاوزت حدودها وخرجت عن ضوابطها لا يصح الاعتماد عليها، فمثلاً حدود المعرفة الحسية والتجريبية هي دائر الماديات وما يرتبط بها من الأعراض الخاصة بها، وفيما عدا ذلك لا يمكن للحسّ والتجربة التكهن به، بحيث يسوغ لهما الحكم نفياً أو إثباتاً على أمرٍ كلّي أو أمرٍ غيبي، بل هناك أقسام أخرى من المعارف البشرية وغير البشرية تقوم بهذا الدور.
وعليه يجب العلم بأنّ المعرفة غير مقتصرة على الحسّ والتجربة؛ ولذا لا ينبغي الإفراط والتفريط في أقسامها ومنها هذا القسم، فإنّ من الأشياء ما تتوقّف معرفته على الحسّ فقط ولا دخل للعقل فيها ولا للشهود القلبي، كالتجارب التي يجريها العلماء التجريبيون الخاصة بانتاج بعض الأشياء الخاصة، ومن الأشياء ما يشترك العقل والحسّ في معرفته، بحيث يكون دور الحس فيها تهيئة الأرضية وإعداد المقدمات لإجراء الحكم الكلي العقلي، من قبيل البراهين العقلية غير المستقلة، كالبرهنة على إثبات وجود المنظم والمحرك والمحدث على