49البرهان العقلي والدليل النقلي.
إذن، اتّضح أنّ وجود الأشياء المادّية في نشأة الطبيعة تمتلك جهةً من الوجود، وهي الجهة المادّية التي تنتسب إلينا، وهي زائلة، فانية، متغيّرة، والزمان والحركة مصاحبان لها، والمكان لاينفكّ عنها.
وهناك جهة أُخرى للأشياء عدا هذه الجهة المادّية، وهي جهة انتسابها بالله سبحانه وتعلّقها به وقيامها به قياماً وجودياً، وفقرها إليه فقراً تامّاً، وهذه الجهة لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تتلبّس بالتدرّج، بل هي بجميع وجودها تابعة لله سبحانه، غير مستقلّة ولا مستغنية عنه، فهي في ملكه وبيده، يتصرّف فيها كيفما يشاء؛ قال تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) 1، وقال تعالى: (مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ) 2، فما هو عنده ثابت لا يزول ولا يتغيّر عمّا هو عليه، وخزائن كلّ شيء كائناً ما كان أمور ثابتة غير زائلة ولا متغيّرة.
وهذه الجهة لا تقبل الشركة وتختصّ به تعالى وحده، فالربوبية -التي هي المُلك والتدبير - لا تقبل تفويضاً ولا تمليكاً انتقالياً، وهي الجهة الثانية للأشياء هي التي يسمّيها القرآن الكريم ب- (الملكوت).