44تلكم المعاني التي استعملت الألفاظ فيها، فإنّ الملك والملكوت هما سلطنة واختصاص بالأشياء يوجبان إمكانية التصرّف فيها وصحّته.
والملك تارة يكون اعتبارياً، كمُلك الإنسان لما تحت يده من مال وعقار وغيرهما، وهذه الملكية قابلة للنقل والانتقال والهبة والتفويض، بل إمكانية غصبها من مالكها الشرعي أيضاً.
وتارة يكون حقيقياً، وهو عين الملك بالمعنى السابق، لكن يختلف عنه بعدم إمكانية نقله من مالكه إلى آخر، ولا تفويض لغيره فيه، ومن هنا كان حقيقياً، ويختلف عن سابقه بالمصداق فقط.
ومثاله الواضح ملك الإنسان لقواه وأفعاله، فكلّ واحد منّا يملك نفسه، بمعنى أنّه هو الحاكم المسلّط المتصرّف في سمعه وبصره وسائر قواه وأفعاله؛ فسمعه وه إنّما يعملان بإرادة منه وتبعاً لحكمه وسلطانه عليهما، ولا بتبع إرادة غيره من الناس.
وهذا النحو من الملك يجده كلّ إنسان في نفسه، ولا يشكّ فيه أحد، وهو ملك لا يقبل الانتقال ولا الهبة ولا الغصب ولاتفويض الآخرين فيه، فالإنسان يملك قواه وأفعال نفسه، وهي جميعاً تبعات وجوده، قائمة به، غير مستقلّة ولا مستغنية عنه. فالعين إنّما تبصر بإذن من الإنسان الذي يبصر بها، وكذا الأذن إنّما تسمع بإذن منه، ولولا الإنسان لم يكن ثمّة سمع ولااستماع ولا بصر ولا إبصار.