51وهذا الكلام يستوجب وجود العبث، وحاشا لله من ذكر العبث، كما صرّح القرآن لنا بذلك في قوله تعالى: (لاٰ يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) . 1
ويبيّن لنا الخطاب في هذه الآية أنّ القصد فيها هو: إن لم تبلّغ ما أُنزل اليك الآن فكأنّما لم تفعل أي شيء! ويبدو من هنا أنّ هذا الأمر الذي أمر الله به أن يُبَلَّغ هو أمر مصيري للرسالة والدّين ومستقبل الأمّة الإسلاميّة جمعاء، وأنّ فائدة الرسالة تتم بتبليغ هذا الأمر، وأنّ عدم إبلاغه يسبب عدم إبلاغ الرسالة بأجمعها وترك تبليغ الرسالة هو أشدّ تهديد. 2
وإن صحّ القول بأنّ الرّسول(ص) أُمر في هذه الآية بالذات بإبلاغ الرسالة، إذن ماذا كان يفعل طيلة هذه السنين من زمان البعثة الى وقت نزول الآية؟ وماذا يُسمى عمله الذي قام به في تلك السنين وقبل نزول الآية؟ ألم يكن إبلاغ الرسالة؟ بلى، إنّه لم يكن إلّا إبلاغ الرسالة، إبلاغها بشكل تدريجي مع تدريج نزول القرآن الكريم، والتي كانت يجب أن تكتمل بإبلاغ ما أُنزل اليه في مضمون هذه الآية.
وهناك من يقول إنّ الرسول(ص) عند نزول هذه الآية كان قد أُمر من الله بتبليغ الشريعة بما تضمنته من أحكام وأوامر ونواهي وآداب وأخبارومواعظ وعبر 3 وعدم ترك آية من القرآن 4، ومنهم من يقول أنّه(ص) أُمر بالتّبليغ على الاستيفاء والكمال وأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد 5 وأن لا يترك البعض من الرسالة 6؛ فمع الأخذ بنظر الاعتبار بأنّ النّبيّ(ص) لم يكن يقصّر الى ذلك الوقت في تبليغ الرسالة، إذن نحن نسأل: ما هو المراد من ذلك البعض من الرسالة الذي يشير اليه هؤلاء عند نزول هذه الآية والذي نستنبط من كلامهم أنّه كان من الممكن أن يترك الرسول(ص) إبلاغه في حال وجوب إبلاغه عليه؟ وما هو هذا الموضوع الذي