94وقد جاء أيضاً في رواية أن العبادة تتوقف على المعرفة 1، كما أن بعض الكتب فسرت العبادة في الآية وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ 2 بالمعرفة. 3 وعلى هذا فمعرفة الله وهو «التوحيد الذاتي» مقدّم على التوحيد العبادي، ولهذا السبب نرى غالب الكتب الكلامية والفلسفية الشيعية اهتمت بالبحث في التوحيد الذاتي، بل جعلت «التوحيد الربوبي» أو التوحيد الأفعالي مقدمة ومقدماً على التوحيد العبادي، وأن «التوحيد العبادي مسبوق بالتوحيد الربوبي» 4، وإن كان الأحسن أن يقال إن التوحيد الربوبي مقدم على التوحيد العبادي، وبعبارة أخرى يمكن القول إن التوحيد على قسمين: التوحيد العلمي والتوحيد العملي.
والتوحيد العلمي هو عبارة عن معرفة الله ووحدانيته، والتوحيد العملي الذي هو نفسه التوحيد العبادي ليس إلا نتيجة للتوحيد العلمي. هذا وأما أهل السنة لاسيما الوهابيون فإنهم لا يُعِيرون مسألة التوحيد الذاتي ونفي الثنوية أو نفي التركيب عن الذات المقدسة أية أهمية بل لا يلتفتون إليها أصلاً، فهم يريدون أن يعبدوا الله من دون معرفته!
والأعجب من ذلك أن كتب المتقدمين من أهل السنة - وهم السلفيون الواقعيون - خالية عن توحيد الألوهية، فمثلاً لم يتعرّض موفق بن قدامة في كتابه «لمعة الاعتقاد» لأي شيء عن توحيد الألوهية، كما أن كتب «المواقف» و«المقاصد والعقائد النسفية» قد جرت على هذا المنوال، وعلى هذا فلا غضاضة إذا لم نرَ الكتب الشيعية الكلامية والفلسفية قد تناولت البحث حول التوحيد العبادي؛ لأن النتيجة الطبيعية لمعرفة الله تعالى هو صحة أعمال الإنسان واستقامتها، وثمرة الأخير هو التوحيد العبادي.