52وأما إن كان مرادهم أن فهم الصحابة والتابعين من الكتاب والسنة له قيمة عندنا - لا أن له الحجيّة - لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم في وقت لم تختلط اللغة العربية بغيرها، كما أنهم كانوا على اطلاع أوفر بالنسبة للقرائن الحالية للآيات الشريفة، ففهمهم أسلم وآمن، ففي هذه الحال يصحّ هذا الادعاء، وهذا ما يذهب إليه علماء الشيعة أيضاً في أصول الفقه، وهو ما يقولونه كراراً في كتب التفسير من أن الخطابات الشرعية ملقاة إلى العرف، وأن الفهم العرفي هو المعيار فيها.
لكن ينبغي الالتفات إلى أن المقصود بذلك هو حجيّة العرف والفهم العرفي في الآيات الشريفة التي تتعرض إلى المواضيع الحقوقية والفقهية والأخلاقية، لا المتعرّضة للأبحاث العقائدية.
إن الفهم الدقّي العرفي - لا الفهم العرفي المسامحي ولا النظر الدقّي العقلي - حجة في الخطابات المتعلقة بالأحكام، وأما في البحوث العقائدية فاللازم فيها العلم واليقين، بينما الفهم العرفي لا يُثبت إلا الظهور، والظهور دلالة ظنيّة لا قطعية، وعلى هذا فلا يكون الفهم العرفي ميزاناً ومعياراً في العقائد، وأما التعمّق في الاعتقادات فهو أمر ممدوح، وقد وقعت الإشارة إليه في بعض الروايات. وسيأتي الحديث في الفصول الآتية حول حجية العقل ومقدار اعتباره في العقائد. 1
يقول الدكتور البوطي:
«ليست اجتهادات السلف بحجة في نفسها، وليست طريقتهم بشيء يجب على كل الناس أن يلتزموا بها، بحيث يكون المجتهدون ملزمين بالتقيد باجتهادهم بمجرّد أنهم كانوا في عصر الرسالة». 2 وهذا الكلام صحيح ومقبول.
وعلى أي حال فإن المنهج السلفي هو عبارة عن «الالتزام بالكتاب والسنة وفهم الصحابة