74 ففعله وعلمه الفعلي تعالى من حيث المفهوم مختلفان لكنهما متحدان من حيث المصداق.
ومن خلال ذلك يتضح أنّ العلم الفعلي هو علم حضوري أيضاً؛ إذ إنّ مخلوقاته وأفعاله تعالى معلومة له بنفسها وحاضرة عنده بوجودها لا بتوسط شيء آخر، وأنّه خارج عن الذات، بخلاف العلم الذاتي الذي هو عين الذات.
لكن هذا العلم - الفعلي - هل له مرتبة واحدة أم مراتب مختلفة؟
لا شكّ في أنّ العلم الذاتي له مرتبة واحدة؛ بحكم أنّه عين الذات الإلهيّة، بخلاف العلم الفعلي فقد قامت البراهين العقلية والفلسفية على أنّ لفعله تعالى مراتب متعددة، اعتماداً على قاعدة (أنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ واحد) والتي تعد من مسلمات الفلسفة، وقاعدة (امكان الأشرف) التي قامت بتحليل الوجود الممكن وأثبتت تعدد مراتبه وفق الأشرف والأخس.
وقد اتفق الحكماء على تعدد عوالم الوجود الإمكاني، كما اتفق جمهورهم على أنّ الوجود الإمكاني عبارة عن ثلاثة عوالم، هي عالم العقول (المجردات)، وعالم المثال، وعالم المادّة 1.