176قال فخر الدين الرازي: قال بعض الأطباء: العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة. وقوله: ( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّٰ خَمْسِينَ عٰاماً ) [العنكبوت: 14]، يدل على خلاف قولهم، والعقل يوافقه، وإلا لما بقي نوح هذه المدة، والمؤثِّر في بقاء الإنسان عمراً طويلاً إما أن يكون هو الله سبحانه أو ينتهي إليه، والله سبحانه دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائماً، فالبقاء إذن ممكن في ذاته.
وقال: ثم نقول: لا نزاع بيننا وبينهم؛ لأنهم يقولون: العمر الطبيعي لا يكون أكثر من مائة وعشرين. ونحن نقول: هذا العمر ليس طبيعيًّا، بل هو عطاء إلهي، وأما العمر الطبيعي فلا يدوم عندنا ولا لحظة، فضلاً عن مائة أو
أكثر 1.
قلت: لا شك في أن طول عمر الإمام المهدي عليه السلام لم يكن جارياً على المألوف عند الناس، بل هو خارج عن العادة، ولكنه حاصل بقدرة الله عزَّ وجل، كغيره من خوارق العادات التي وقعت في حياة الأنبياء والأولياء، والتي اتفق المسلمون بشتى مذاهبهم على وقوعها، مثل طول عمر نوح عليه السلام، وبقاء أصحاب الكهف نياماً في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين، وولادة عيسى عليه السلام من غير أب، وكلامه في المهد صبيًّا، وإبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى... وغير ذلك مما يطول ذكره.
ولما انحصرت الإمامة في هذا الزمان في الإمام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام كما مرَّ بيانه مفصَّلاً، وقد رآه كثير من الناس، حكمنا ببقائه وبطول عمره الشريف.
الثاني : أن الله جلَّ وعلا أطال أعمار جمع كثير من الناس في الأمم السالفة والسنين الماضية، كما تقدَّم في آية سورة العنكبوت الدالة على أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى عبادة الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش آدم عليه السلام ألف