317أيها السائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضيئ بنور هدايته، وما كلّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنّة النبي(ص) وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه، فإنّ ذلك منتهى حقّ الله عليك. واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدّر عظمه الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين..» إلى آخر خطبته(ع) 1.
وقد شرح ابنأبيالحديد بعض من فقرات هذه الخطبة الجليلة التي فيها التنزيه وعدم التشبيه قال:
ثمّ ذكر أنّ وجوده تعالى ليس بزماني، فلا يطلق عليه البعدية والقبلية، كما يطلق على الزمانيات، وإنّما لم يكن وجوده زمانياً؛ لأنّه لا يقبل الحركة، والزمان من لواحق الحركة، وإنّما لم تطلق عليه البعدية والقبلية؛ إذ لم يكن زمانياً؛ لأنّ قولنا في الشيء: إنّه بعد الشيء الفلاني، أي: الموجود في زمان حضر بعد تقضّي زمان ذلك الشيء الفلاني، وقولنا في الشيء: إنّه قبل الشيء الفلاني، أي: أنّه موجود في زمان حضر ولم يحضر زمان ذلك الشيء الفلاني بعد، فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القبل والبعد الزمانيان، فيكون تقدير الكلام على هذا: الأوّل الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانية، ليمكن أن يكون شيء ما قبله، والآخر الذي لا يصدق عليه البعدية