220الجماد، فيكون ذلك على سبيل الحقيقة، وحتّى لو حصل هذا على سبيل الإعجاز، فلا مانع منه، ويبقى المدرك مجازياً؛ لأنّه في العموم خطاب لمن لا يعقل ولا يجيب ولا يسمع ولا يتكلّم، وإن سمع وأجاب وامتثل على سبيل الإعجاز.
ب - وفي قوله تعالى: ( فَوَجَدٰا فِيهٰا جِدٰاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقٰامَهُ قٰالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (الكهف: 77).
وهنا يتجلّى المجاز العقلي مستشرفاً؛ إذ الجدار ليس كائناً ذا إرادة، ولاهو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك، ولكنه البُعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد، وأشاع الحسّ في الكائنات، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل. وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد 1.
إذن كلام ابنتيمية نعتقد أنّه يتهاوى أمام هذه الأدلة الناصعة التي تأبى قبول فرضية عدم وجود المجاز، فأهل اللسان والأدب والحديث والفقه كلّها ترفض هذا المنطق التيمي الذي لا ينسجم مع الإطار العام للغة، لاسيما وأنّ القرآن هو المنبع الأساس لهذه الموارد.
فالمجاز يُعدّ من البلاغة التي أسسها القرآن الكريم وتجلّت في آياته الكريمة بشكل كبير، والمجتمع العربي كان مغرماً بهذه اللغة وما تحويه من إبداع وتصوير وكناية وبديع، والقرآن نزل عليهم بلغتهم التي يتعاملون بها وبكلّ مفرداتها ومعانيها.