90للمخاطبين، وإنّه لا يمكن خطاب الجمهور إلاّ بهذا الطريق، كما يزعم ذلك الفارابي وأمثاله، مع أنّ الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال متناقضة، تارةً يقول: لا تُعاد. وينكر المعاد بالكلية، وتارةً يقول: إنّها تُعاد، وتارةً يفرّق بين الأنفس العالمة والجاهلة فيقرّ بمعاد العالمة دون الجاهلة، ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع، فعقلاؤهم كابن سينا وأمثاله يفضّل النبي على الفيلسوف وأمّا غلاتهم فيفضّلون الفيلسوف.
ولا ريب أنّ أوليهم ليس لهم في النبوّات كلام محصّل، وكلامهم في الإلهيّات قليل، وإنّما توسّع القوم في الأُمور الطبيعية والرياضية ومصنّفات معلّمهم الأوّل أرسطو عامّتها من ذلك، والذي فيها من الإلهيّات أمر في غاية القلّة مع اضطرابه وتناقضه، فإذا عرف ذلك فما جاء به السمع من أمر المعاد قرّره عليهم النظّار بطريقين:
أحدهما: ببيان الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان وتفاصيل ذلك.
وثانيهما: إنّ العلم بأنّ الرسل جاءت بذلك علم ضروري، فإنّ كلّ مَن سمع القرآن والأحاديث المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين لذلك علم بالاضطرار أنّ الرسول(ص) أخبر بمعاد الأبدان، وأنّ القدح في ذلك كالقدح في أنّه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ونحو ذلك.
والقرامطة الباطنية، وهم من الفلاسفة، أنكروا هذا وزعموا أنّ هذه كلّها رموز وإشارات إلى علوم باطنة كما يقولون: إنّ الصلاة معرفة أسرارنا، والصيام كتمان أسرارنا، والحج زيارة شيوخنا المقدّسين، ونحو ذلك ممّا هو مذكور في الكتب المؤلّفة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، ولهؤلاء القرامطة صُنّفت رسائل أخوان الصفا، وهم الذين يقال لهم الإسماعيلية لانتسابهم إلى محمّد بن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن سينا: كان أبي وأخي من أهل دعوتهم؛ ولهذا اشتغلت بالفلسفة، وأمّا الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرامطة المحضة فهم لا ينكرون العبادات والشرائع العملية، بل قد يوجبون اتّباعها والعمل بها لا سيّما مَن دخل منهم في التصوّف أو الكلام،