71وهذا الكلام كما هو واضح موجّه للمعتزلة الذين كانوا يشكّلون جبهةً قويةً في مواجهة الحنابلة بزمانهم، فمن ثمّ ركّزوا عليهم في كتبهم ومقالاتهم موجِّهين نحوهم شتّى الحراب والسهام، وشتّى صور الشتم والسب واللعن والتشويه، كما فعلوا مع الشيعة والجهمية.
وهذا كلّه يدلّ على افتقادهم أدوات العلم، ولغة الحوار والخُلق في مواجهة الآخر.
وقد واصل المؤلِّف حملته على المعتزلة باتّهامهم بالجهل بالكتاب والسنّة، وأنّهم لم يتديّنوا بمعرفة آيةٍ من كتاب الله في تلاوةٍ أو دراية، ولم يتفكّروا في معنى آيةٍ ففسّروها أو تأوّلوها على معنى اتّباع مَن سلف من صالح علماء الأُمّة إلاّ على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرّت أقدامهم في طلب سُنّة، أوعرفوا من شرائع الإسلام مسألة فيعدّ رأي هؤلاء حكمة وعلماً وحججاً وبراهين، ويعدّ كتاب الله وسنّة رسوله حشواً أو تقليداً، وحملتها جهالاً وبلهاء ذلك ظلماً وعدواناً وتحكّماً وطغياناً.
وكما عادة الحنابلة في الخلط بين الأُمور، فقد خلط اللالكائي بين كتاب الله والسنّة معتبراً أنّ المعتزلة يعدّونها حشواً، بينما هم في الحقيقة يقصدون الروايات التي غرق فيها الحنابلة ولا يقصدون القرآن.
وكلمة حشوية إنّما أطلقها المعتزلة على الحنابلة وأهل الحديث بسبب انغماسهم في الروايات والآثار وإهمال العقل؛ فمذهبهم محشو بالروايات وأقوال الرجال ولا مجال فيه للاجتهاد والرأي.
ويبدو الخلط واضحاً أيضاً في قوله عن المعتزلة: ثمّ ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو، فهو في مقالته الأُولى ربط رواياته وآثاره بالكتاب، وفي مقالته الثانية ربط مذهبه بالمسلمين، وكأنّه بهذا يريد التأكيد على أنّ الحنابلة يمثّلون المسلمين دون غيرهم.
وهذا الخلط إنّما هو من أوهام الحنابلة، التي عاشوا فيها ويعيش فيها الوهّابيون اليوم، بتصوّرهم أنّهم أهل الحق والفرقة الناجية من النار.