114والسؤال هنا: أليس هذا الكلام ينطبق على كتب الوهّابيّة التي أوقعت الفرقة والخلاف بين المسلمين، ونشرت التطرّف والإرهاب وسطهم؟
ثمّ يقول ابن القيّم: وأمّا أهل البِدَع الموافقون لأهل الإسلام ولكنّهم مخالفون في بعض الأُصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام:
أحدها: الجاهل المقلّد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يُكفّر ولا يُفسّق ولا تُردّ شهادته، إذا لم يكن قادراً على تعلّم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدان الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا ً، فأُولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّاً غفوراً.
القسم الثاني: المتمكّن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورياسته ولذّته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البِدْعة والهوى على ما فيه من السنّة والهدى رُدّت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنّة والهدى قُبلت شهادته.
القسم الثالث: أن يسأل فيطلب ويتبيّن له الهدى، ويتركه تقليداً أو تعصّباً أو بُغضاً أو معاداةً لأصحابه، فهذا أقلّ درجاته: أن يكون فاسقاً، وتكفيره، محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلناً داعية رُدّت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلاّ عند الضرورة كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي ردّ شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة.
ومن خلال ما سبق يتبيّن لنا أنّ ابن القيّم شكّل الدعامة الثانية لفكر الإرهاب والتطرّف التي ارتكز عليها الوهّابيّون.