57مكاتبة الخليفة بشكل سريع ليُطلعه على هذا التصرّف من عمّار.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لو كان لعثمان ولاة على الأمصار، ولهم عيونهم عليها التي تأتيهم بالأخبار عن كلّ صغيرة وكبيرة، ويكاتبونه فيها بهذه السرعة؛ بحيث أطلعوه على ما قام به أهلُ مصر من استمالة مبعوثه إليهم عمّار خلال سفره القصير، وبأمر من الخليفة نفسه، فكيف لم يخبروه بتحرّكات ابن سبأ التي كانت بتلك الضخامة التي صوّرها الراوي في المشهد الأوّل، لاسيما وأنّه كان يؤلّب الناس على عثمان ويدعو للثورة عليه؟!
ثمّ كيف استطاع هذا اليهوديّ أن يُحدث هذا الشرح في المجتمع الإسلامي، ويؤثّر على ثلّة من كبار الصحابة ممّن أقاموا الدين وتحمّلوا ألوان العذاب وضربوا المثال الأسمى في الصلابة والإيمان والصبر و... حتّى قلب الأوضاعَ في عاصمة الخلافة بشكل أدّى إلى مقتل عثمان بذلك الشكل؟!
حقيقة عبدالله بن سبأ
إنّ أصل النزاع في قضيّة عبدالله بن سبأ هو إعطاؤه ذلك الحجم والدور المبالغ فيه في تأليب الوضع والتأثير على الواقع الإسلامي، والقدرة العجيبة على خلق الأفكار
وتسويقها بتلك السرعة الكبيرة داخل المجتمع الإسلامي، وتأسيس عقائد جديدة انطلت على عدد من كبار الصحابة وثلّة كبيرة من المسلمين.
فهذا هو أصل الخلاف، وإلّا فإثبات أو نفي وجود ابن سبأ ليس بتلك الأهمّية، غير أنّ البعض حاول من خلال ذكر عدد من العلماء المثبتين لوجود ابن سبأ أن يوهم أنّ هؤلاء يقولون بذلك الدور المضخّم له، والحال أنّهم أثبتوا أصل وجوده فقط، وأمّا ذلك الدور المبالغ فيه له فقد اقتصر على رواية سيف بن عمر التي أخرجها الطبري في تاريخه كما تقدّم.