159«لمّا بعثني رسولُ الله (ص) إلى اليمن قال:
(لا تَقضِيَنَّ ولّا تَفصِلَنَّ إلّا بِما تَعلَمُ، وإن أشكَلَ عَلَيكَ أمرٌ فَقِف حَتّى تَبَيَّنَهُ أو تَكتُبَ إلَيَّ فيهِ)» 1.
وأمّا بالنسبة إلى كون ذهاب معاذ إلى اليمن في أواخر السنة العاشرة للهجرة، فيدلّ عليه ما أخرجه أحمد أيضاً في مسنده بأسانيد متعدّدة، عن معاذ بن جبل، قال:
«لمّا بعثه رسولُ الله (ص) إلى اليمن، خرج معه رسولُ الله (ص) يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله (ص) يمشي تحت راحلته، فلمّا فرغ قال: (يا مَعاذُ، إنَّكَ عَسى أن لا تَلقاني بَعدَ عامي هذا، أو لَعَلَّكَ أن تَمُرَّ بِمَسجِدي هذا أو قَبري)، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله (ص) ، ثمّ التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: (إنَّ أولى النّاسِ بِيَ المُتَّقونَ، مَن كانوا وحَيثُ كانوا)» 2.
قال الهيثمي في الزوائد: «رواه أحمد بإسنادين... ورجال الإسنادين رجال الصحيح، غير راشد بن سعد، وعاصم بن حميد، وهما ثقتان» 3.
وهذا يكشف عن أسبقيّة قضاء عليّ عليه السلام على قضاء معاذ، كما أنّه يكشف أيضاً عن أنّ خروج عليّ عليه السلام لجباية الأموال في أواخر السنة العاشرة - كما سيأتي لاحقاً - كان متزامناً مع الفترة التي كان فيها معاذ بن جبل قاضياً في اليمن.
المرّة الثالثة: خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن لجباية الأموال والصدقات، وقد كان معاذ بن جبل في تلك الفترة قاضياً في اليمن، حيث بعثه النبيّ (ص) للقضاء في السنة العاشرة من الهجرة، وهذا ما يكشف عن أسبقيّة قضاء الإمام عليه السلام في اليمن، كما يكشف أيضاً عن أسبقيّة الغزوة التي تمّ على ضوئها فتح اليمن ودخول أهلها في الإسلام.
وفي هذا الخروج الثالث جعل الإمام عليه السلام أميراً على أصحابه، وأقفل راجعاً إلى مكّة، حيث التحق بالنبيّ (ص) في حجّة الوداع وأتمّ الحجّ معه، وأمّا أصحابُه الذين كانوا معه