90وإذا كان الحجر بملامسته بدن إبراهيم عليه السلام اكتسب هذه المكانة، فكيف بك بنفس النبي إبراهيم؟ ألا يتوجه به إلى الله عز وجل بالأولوية، فيقال: يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عندالله؟
فالمثابة إلى بيت الله الحرام من دون اتخاذ مقام إبراهيم مصلى يكون عملاً وثنياًَ وشركاً كعمل المشركين ومناسكهم فلا بد من ضم رمزاً آخر بالإضافة إلى رمزية الكعبة، وهو التوجه بالحجج والوسائط والآيات إلى الله عز وجل.
بيان آخر للآية الكريمة
ثبت في علم الأصول أن الحكم معلول لموضوع نفسه ولا يمكن أن يكون علة له، ففرض الموضوع سابق ومتقدم على فرض الحكم، والحكم في قوله تعالى: «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى» 1 هو وجوب اتخاذ المقام مصلى، والموضوع هو مقام إبراهيم عليه السلام ، ومتعلق الحكم هو استقبال مقام إبراهيم عليه السلام في الصلاة.
وحيث أن الموضوع سابق على الحكم سبق العلة على معلولها، فلا بد من فرض المفروغية عن جعل سابق لتحقق الموضوع في نفسه، وهو كون مقام إبراهيم عليه السلام محل للقربات والتعبد والبركة والقداسة، و حينئذٍ وبعد الفراغ عن ذلك يأتي المحمول، وهو وجوب اتخاذه مصلى باستقباله في الصلاة إلى جهة الكعبة.
فالحكم دال على أن للموضوع أسبقية في القداسة وكونه معلماً من معالم الدين، ومن ذلك يتضح أن البيت الحرام إنما يجب أن يقصد بشرط، وهو أن تُقرن العبادة التوحيدية للحج بولي الله إبراهيم عليه السلام وأن المقامات المقدسة والمشاعر المشرفة إنما تقصد للوصول إلى آثار الأنبياء ومقاماتهم؛ لكونها مواطن شعرها الله عز وجل وجعلها أسباباً ووسائط لنيل القربى والزلفى إليه تعالى.
وإذا كانت صخرة لامست قدمي إبراهيم عليه السلام لها تلك القداسة والعظمة والبركة، فكيف بمشاهد النبي الأعظم (ص) وأهل بيته عليهم السلام الذين هم أفضل وأعظم من إبراهيم وجميع الأنبياء عليهم السلام ، حيث نص القرآن على كون علي عليه السلام بمنزلة نفس النبي (ص) ، وهذا مقام لم يحظَ به