40 قوله (إنما صور أوائلهم الصور ليأتنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذر النبي (ص) عن مثل ذلك، ولما احتاجت الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتابعون إلى زيادة مسجده عليه الصلاة والسلام بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا تصل إليه العوام فيؤدي إلى ذلك المحذور. ثم ذكر العيني عن ابن بطال قوله إنما النهي عنه لاتخاذهم القبور والصور آلهة.
وحكي عن الشافعي وأصحابه القول بكراهة بناء المساجد على القبور، ثم حكى البيضاوي حمل النهي على التأليه وقال وأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور 1.
بل أقول وكلماتهم شاهد على إرادة معنى التأليه من النهي المزبور لا بما فهمه السلفيون من عمارة قبر النبي (ص) وزيارته وعبادة الله عند قبره الشريف.
ويجاب أيضاً على فرض التسليم بإيهام دلالتها أن أحاديث زيارة النبي صلوات الله عليه وعمارة قبره وأهل بيته مقدمة على إيهام دلالة هذه الروايات لوجوه:
منها: أنها متواترة كما في الحديث المستفيض «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» ومضمونه قطعي ضروري بين المسلمين عبر الاجيال والقرون ومعتضدة بالسيرة القطعية للمسلمين من الصدر الأول بل بسيرة المسلمين في التعاطي مع قبر إبراهيم الخليل عليه السلام وقبور بقية الأنبياء في أراضي الشامات مضافاً إلى أن هذه الروايات أخص في زيارته (ص) من الروايات الناهية، وأنها معتضدة بالكتاب كقوله تعالى: «وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى» وقوله تعالى: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ» والأدلة الآمرة بزيارة قبره (ص) وعمارته، بينما الروايات الناهية في اتخاذ القبور مساجد محتملة لوجوه متعددة وقد عرفت أن أظهَرها وجهٌ آخر.