73وأباعبيدة وسالماً مولى حذيفة، أوقعوا في قلوب الأنصار وغيرهم ممّن سمع النصّ في شأن علي (ع) ، وشبّهوا الأمر على الناس وعلى الأنصار فيه أنّه (ع) ترك الخلافة وقعد في قعر بيته حزناً على النبيّ (ص) ، فلهذا لم يورده أحد من الطائفتين، وأمّا من عداهما من قريش كبني أميّة وبني مخزوم وبني مغيرة فأعانوهم على خذلان علي (ع) بأخذ حقّه منه انتقاماً لثارات الجاهليّة كما مرّ.
وأمّا استبعاده ترك علي (ع) لإيراد النصّ تقيّة، فقد احتجّ عليهم بالنّص ولم يلتفتوا، وجواز التقيّة كانت موجودة هناك ولا بأس أن نوضّح ذلك هنا ونقول: لا يخفى على من تتبع كتب الجمهور في الأحاديث والسير عدم تساوى متابعيه وأنصاره (ع) في أيّام خلافته، ومحاربته الناكثين والقاسطين والمارقين وفقدانه لذلك في أيّام خلافة الثلاثة، واختياره للسكوت عن طلب حقّه حينئذ والمنازعة والمقاتلة معهم، فقد نقل عن أمير المؤمنين (ع) : أنّه ذات يوم من أيّام واقعة الصفين ركب مع عسكر كثير ولمّا نظر إلى كثرتهم قال لأصحابه: «كنت أنتظر هذه الكثرة ولها لزمت الصبر».
وقد روى من طريق الجمهور أيضاً أنّه قال حين أفضى الأمر إليه وقد سألوه بما نقضي يا أمير المؤمنين؟فقال (ع) :
«اقضوا بما كنتم تقضون حتّى يكون الناس جماعة واحدة أو أموت كما مات أصحابي»
1
، فدلّ على أنّه قد أخّر القضاء بمذهبه في كثير من الأحكام؛ خوف الاختلاف عليه وانتظر الاجتماع من أهل الخلاف أو وجود المصلحة، ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن حجر في مواضع متعدّدة من كتابه ممّا يشعر بعداوة الناس وحسدهم لعلي (ع) وإظهارهم لذلك في حياة النبيّ (ص) وبعد وفاته، منها ما ذكره من أنّ بني تيم (ظاهراً) وبني عدي كانوا أعداء بني هاشم في الجاهليّة.
ومنها ما ذكره في ثناء الصحابة: ما نفّر الناس عن علي إلّا أنّه لا يبالى بأحد، وفي موضع